بسم الله الرحمن الرحيم
الكتاب : الإعجاز والإيجاز
المؤلف : أبو منصور عبد الملك عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي
دار النشر : دار الغصون - بيروت / لبنان - 1405ه - 1985م
الطبعة : الثالثة
عدد الأجزاء / 1
[ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] PageV01P006 """""" صفحة رقم 7 """"""
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد حمد الله على آلائه . والصلاة والسلام على محمد المصطفى وآله وصحبه وسلم . فإن القاضي الجليل السيد أطال الله بقاه وإن كان في الأدب فرد الدهر وبدر الصدر كما أنه في الكرم أول العقد وواسطة PageV01P007 """""" صفحة رقم 8 """"""
العقد فلا بد لي مع مودته التي تتصل مدتها . ولا تنقطع مادتها . وموالاته التي وقفت عليها أخيرا نفسي . وأسكنها السوادين من عيني وقلبي . وأياديه ومننه التي وسمت عنقي وملكت رقي . من إقامة رسم خدمته بتأليف ما أشرفه باسمه من كتاب عهدي بأمثاله يستبدع ويستحسن ويعد من أنفس ما تشح عليه الأنفس وإن كنت في ذلك كمن يهدي إلى الشمس نورا أو يزيد في البحر نهرا ولكن ما على الناصح إلا جهده . وقد ثنيت كتاب اللطيف في الطيب الذي كنت خدمت بتأليفه مجلسه حرسه الله وآنسه بكتاب في الكلمات القليلة الألفاظ الكثيرة المعاني المستوفية أقسام الحسن والإيجاز الخارجة عن حد الإعجاب إلى الإعجاز في النثر المشتمل على سحر البيان والنظم والمحاكي قطع الجمان . وأخرجته في عشرة أبواب . فالباب الأول . في بعض ما نطق به القرآن من الكلام الموجز المعجز . والباب الثاني في جوامع PageV01P008 """""" صفحة رقم 9 """"""
الكلام عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . والباب الثالث . فيما صدر منها عن الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين . والباب الرابع . فيما نقل منها عن ملوك الجاهلية . والباب الخامس . في روايع ملوك الإسلام وأمرائه والباب السادس . في لطايف كلام الوزراء . والباب السابع . في بدائع كلام الكتاب والبلغاء . والباب الثامن . في طرايف الفلاسفة والزهاد والحكماء والعلماء . والباب التاسع . في ملح الظرفاء ونوادرهم . والباب العاشر . في وسايط قلائد الشعراء والله تعالى أسأل أن يبارك فيه له ويجزل من نعمه وعوارفه حظه وهذا حين سياقة الأبواب والله الموفق للصواب . PageV01P009
"""""" صفحة رقم 10 """"""
الباب الأول في بعض ما نطق به القرآن من الكلام الموجز المعجز
من أراد أن يعرف جوامع الكلم ويتنبه على فضل الإعجاز والاختصار ويحيط ببلاغة الإيماء ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام فمن ذلك قوله عز ذكره : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) استقاموا كلمة واحدة تفصح عن الطاعات كلها في الائتمار والانزجار . وذلك لو أن إنسانا أطاع الله سبحانه مائة سنة ثم سرق حبة واحدة لخرج بسرقتها عن حد الاستقامة ، ومن ذلك قوله عز وجل : ( لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) فقد أدرج فيه ذكر إقبال كل محبوب عليهم وزوال كل مكروه عنهم ولا شيء أضر بالإنسان من الحزن والخوف لأن الحزن يتولد من مكروه ماض أو حاضر والخوف يتولد من مكروه PageV01P010 """""" صفحة رقم 11 """"""
مستقبل فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه بل يتبرم بحياته والحزن والخوف أقوى أسباب مرض النفس كما أن السرور والأمن أقوى أسباب صحتها فالحزن والخوف موضوعان بإزاء كل محنة وبلية . والسرور والأمن موضوعان بإزاء كل صحة ونعمة هنية . ومن ذلك قوله عز اسمه : ( ولهم الأمن وهم مهتدون ) فالأمن كلمو واحدة تنبئ عن خلوص سرورهم من الشوائب كلها لأن الأمن إنما هو السلامة من الخوف . والحزن المكروه الأعظم كما تقدم ذكره . فإذا نالوا الأمن بالإطلاق ارتفع الخوف عنهم وارتفع بارتفاعه المكروه وحصل السرور المحبوب . ومن ذلك قوله تعالى ذكره ( أوفو بالعقود ) فهما كلمتان جمعتا ما عقده الله على خلقه لنفسه وتعاقده الناس فيما بينهم ومن ذلك قوله سبحانه : ( فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ) فلم يبق مقترح لأحد إلا وقد تضمنته هاتان الكلمتان مع ما فيهما من القرب وشرف اللفظ وحسن الرونق ومن ذلك قوله عز وجل : ( والفلك تجري في البحر بما ينفع الناس ) فهذه الكلمات الثلاث الأخيرة تجمع من أصناف التجارات وأنواع المرافق في ركوب السفن ما لا يبلغه الإحصاء ومن ذلك قوله جل جلاله : ( فاصدع PageV01P011 """""" صفحة رقم 12 """"""