صاحب أبي إسحاق بن حمام
وشمر لي فتى، كان إلى جانبه، عن ساعد، وقال لي: وهل يضر قريحتك، أو ينقص من بديهتك لو تجافيت لأنف الناقة، وصبرت له؟ فإنه على علاته زير علم، وزنبيل فهم، وكنف رواية. فقلت لزهير: من هذا؟ فقال: هو أبو الآداب صاحب أبي إسحاق بن حمام جارل. فقلت: يا أبا الآداب، وزهرة ريحانة الكتاب، رفقا على أخيك بغرب لسانك، وهل كان يضر أنف الناقة، أو ينقص من علمه، أو يفل شفرة فهمه، أن يصبر لي على زلة تمر في شعر أو خطبة، فلا يهتف بها بين تلاميذه، ويجعلها طرمذة من طراميذه؟ فقال: إن الشيوخ قد تهفو أحلامهم في الندرة. فقلت: إنها المرة بعد المرة.
ثم قال لي الأستاذان عتبة بن أرقم، وأبو هبيرة صاحب عبد الحميد: إنا لنخبط منك ببيداء حيرة، وتفتق أسماعنا منك بعبرة، وما ندري أنقول: شاعر أم خطيب؟ فقلت: الإنصاف أولى، والصدع بالحق أحجى ولا بد من قضاء. فقالا: اذهب فإنك شاعر خطيب. وانفض الجمع والأبصار إلي ناظرة، والأعناق نحوي مائلة.
الفصل الثالث
نقاد الجن
مجلس أدب
وحضرت أنا أيضا وزهير مجلسا من مجالس الجن، فتذاكرنا ما تعاورته الشعرا من المعاني، ومن زاد فأحسن الأخذ، ومن قصر. فأنشد قول الأفوه بعض من حضر:
وترى الطير على آثارنا ... رأي عين ثقة أن ستمار
وأنشد آخر قول النابغة:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب
تراهن خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب
جوانح، قد أيقن أن قبيله، ... إذا ما التقى الجيشان، أول غالب
وأنشد آخر قول أبي نواس:
تتأيا الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره
وأنشد آخر قول صريع الغواني:
قد عود الطير عادات وثقن بها، ... فهن يتبعنه في كل مرتحل
وأنشد آخر قول أبي تمام:
وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش، إلا أنها لم تقابل
فقال شمردل السحابي: كلهم قصر عن النابغة، لأنه زاد في المعنى ودل على أن الطير إنما أكلت أعداء الممدوح، وكلامهم كلهم مشترك يحتمل أن يكون ضد ما نواه الشاعر، وإن كان أبو تمام قد زاد في المعنى. وإنما المحسن المتخلص المتنبي حيث يقول:
له عسكرا خيل إذا رمي ... بها عسكرا لم تبق إلا جماجمه
وكان بالحضرة فتى حسن البزة، فاحتد لقول شمردل، فقال: الأمر على ما ذكرت يا شمردل، ولكن ما تسأل الطير إذا شبعت أي القبيلين الغالب؟ وأما الطير الآخر فلا أدري لأي معنى عافت الطير الجماجم دون عظام السوق والأذرع والفقارات والعصاعص؟ ولكن الذي خلص هذا المعنى كله، وزاد فيه، وأحس التركيب، ودل بلفظة واحدة على ما دل عليه شعر النابغة وبيت المتنبي، من أن القتلى التي أكلتها الطير أعداء الممدوح، فاتك بن الصقعب في قوله:
وتدري سباع الطير أن كماته، ... إذا لقيت صيد الكماة، سباع
لهن لعاب في الهواء وهزة، ... إذا جد بين الدرعين قراع
تطير جياعا فوقه وتردها ... ظباه إلى الأوكار وهي شباع
تملك بالإحسان ربقة رقها، ... فهن رقيق يشترى ويباع
وألحم من أفراجها فهي طوعه، ... لدى كل حرب، والملوك تطاع
تماصع جرحاها فيجهز نقرها ... عليهم، وللطير العتاق مصاع
فاهتز المجلس لقوله، وعلموا صدقه. فقلت لزهير: من فاتك بن الصقعب؟ قال: يعني نفسه. قلت له: فهلا عرفتني شأنه منذ حين؟ إني لأرى نزعات كريمة؟ وقمت فجلست إليه جلسة المعظم له. فاستدار نحوي،