بسم الله الرحمن الرحيم
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي رحمه الله: اللهم إنا نحمدك بجميع محامدك ونثني عليك بجلالك وكرمك، نسألك العصمة والسلامة من كل ضلالة وبدعة وحيرة وشبهة، ونرغب إليك في كل ما أزلف لديك وقرب من رضوانك وبعد من سخطك وأنت السميع القريب اللطيف المجيب وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلواته على محمد خاتم النبيين وآله الطيبين وصحابته [وأزواجه وذريته] (¬1) وسلامه وتشريفه وإكرامه.
أما بعد: يا أخي حفظك الله وحفظ عليك دينك وأمانتك وخواتيم عملك وجعلك ممن يقصدون بعلمهم رحمته وطلب ما عنده، فإنك ذكرتنا وقوفك على شرحنا كتاب "الرسالة" لأبي محمد عبد الله بن أبي زيد رحمة الله عليه، وما رأيته منطويا عليه من [بسط] (¬2) الأدلة والحجاج وإشباع الكلام في مسائل الخلاف، وعلى الكتاب المترجم "بالممهد" (¬3)، وما حواه من المسائل والتفريعات واختلاف الوجوه والروايات، وذكرت بعد حفظ ذلك على الشادي (¬4)، وتعذر ضبطه على المبتدئ، وسألتنا تجديد نية في عمل مختصر لك [سهل] (¬5) المحل قريب المأخذ يقتصر فيه على ما لا [بد منه] (¬6)، ولا PageV01P115 عناء عنه ليسهل على المتلقن مأخذه ويقرب على المبتدئ [تفقهه] (¬1) وحفظه، وليكون إلى ذينك الكتابين (¬2) مدخلا، والتي يحفظ ما أودعناه فيهما وموصلا، فأجبتك إلى مسألتك وأسعفتك لطلبك مستخيرا الله سبحانه في ذلك راغبا إليه في النفع به والمعونة عليه، وهو جل اسمه ولي الإجابة ومبلغ الطلبة ثمنه وعونه وهو حسبي ونعم الوكيل.
... PageV01P116
[كتاب الطهارة]
كتاب (¬1) الطهارة (¬2)
[1 - الوضوء من الحدث]:
الوضوء (¬3) من الحدث فريضة (¬4) واجبة لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} (¬5) الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور (¬6)، ولا تتم صلاة أحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى" (¬7)، وقوله عليه السلام لما توضأ PageV01P117 مرة مرة: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (¬1)، ولا خلاف في ذلك (¬2).
فصل (¬3) [2 - حكم السواك]:
والسواك (¬4) مندوب (¬5) إليه لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما لكم تدخلون علي قلحا استاكوا" (¬6)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (¬7)، ولأنه من النظافة وهي مندوب إليها.
فصل [3 - الرد على من قال بالوجوب]:
وليس بواجب (¬8) خلافا لمن حكي عنه (¬9) وجوبه لقوله صلى الله عليه وسلم: PageV01P118
"ثلاثة كتبت علي ولم تكتب عليكم: فذكر السواك" (¬1)، ولأن المقصود منه إزالة الرائحة عن الفم فأشبه غسل الفم من الغمر.
مسألة [4 - حكم النية في الطهارة من الأحداث]:
والنية (¬2) شرط (¬3) في طهارات الأحداث كلها خلافا لأبي حنيفة (¬4) إذ يزعم أنها غير واجبة في الوضوء والغسل، ودليلنا قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} (¬5)، فهو من الصلاة، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامريء ما نوى" (¬6)، ولأنها طهارة عن حدث كالتيمم، ولأنها عبادة متقرب بها كالصلاة والصيام.
فصل [5 - محل النية وصفتها]:
ومحل النية: القلب، وصفتها: أن يقصد بقلبه ما يريده بفعله وليس عليه نطق بلسانه، ويلزم المتوضيء أن ينوي بوضوئه الطهر من الحدث، ومعنى ذلك استباحة كل فعل كان الحدث مانعا منه، فإن نوى استباحة فعل بعينه فالأفعال على ضربين: منها ما يجوز فعله مع الحدث، ومنها ما لا يجوز إلا مع ارتفاع PageV01P119 حكمه، فالأول مثل القراءة ظاهرا (¬1)، ودخول المسجد وكتابة العلم ودرسه، كل هذا يجوز مع الحدث الأصغر، فإن نواه بوضوئه فلا يجزئه [للصلاة] (¬2) ولا غيرها، مما لا يجوز إلا بطهارة وحكم حدثه باق، والثاني مثل الصلوات على اختلاف أنواعها من فرض ونفل، ومثل مس المصحف والطواف، فإن كان نوى بوضوئه استباحة بعض هذه الأفعال جاز له فعل سائرها، وكان حكم حدثه زائلا.