القسم الثاني
النص المحقق لكتاب درة التنزيل وغرة التأويل
تأليف الإمام أبي عبد الله الأصبهاني المعروف بالخطيب الإسكافي المتوفى سنة 420ه
بسم الله الرحمن الرحيم
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب
قال إبراهيم بن علي بن محمد، المعروف بابن أبي الفرج الأردستاني: هذه المسائل في بيان الآيات المتشابهة لفظا بأعلام نصبت عليها من المعنى، أملاها أبو عبد الله محمد بن عبد الله
الخطيب رحمه الله في القلعة الفخرية إملاء لما خلا فيها، ولم يحضره غيري ممن يسوغ له حمل
ما يكتب فيه، ويكتب به، فكتبت عن لفظه المسائل والأجوبة، وسألته أن يصدرها بخطبة، فارتجالها كارتجاله سائر الكلام بعدها، فقال:
الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآه الراشدين المرشدين الطاهرين الزاهدين، أما بعد:
فاعلموا حملة الكتاب المبين الحكيم، وحفظة القرآن المتين الكريم، وفقكم الله تعالى لحق علمه، بعد حق تلاوته، وأذاقكم من لذة قراءته، وبرد شراب معرفته، ما يشغف قلوبكم بحلاوته، أني مذ خصني الله تعالى بإكرامه وعنايته، وشرفني بإقراء كلامه ودراسته، تدعوني دواع قوية، يبعثها نظر وروية، في الآيات المتكررة، بالكلمات المتفقة، والمختلفة، وحروفها المتشابهة المتعلقة، والمنحرفة تطلبا لعلامات ترفع لبس إشكالها، وتخص الكلمة بآياتها، دون
أشكالها، فعزمت عليها بعد أن تأملت أكثر كتب المتقدمين، والمتأخرين، وفتشت عن أسرار معاني المتأولين المحققين المتبرين، فما وجدت أحدا من أهلها بلغ غاية كننها، كيف؟ ولم يقرع بابها ولم يفتر عن نابها، ولم يسفر عن وجهها، ففتقت من أكمام المعاني ما أوقع فرقانا، وصار لمبهم المتشابه
وتكرار المتكرر تبيانا، ولطعن الجاحدين ردا، ولمسلك الملحدين سدا، وسميته درة التنزيل وغرة التأويل وليس على الله بأمر منكر مستبدع أن يعثر خاطر عبد ربيء، على كنز حكمة في القرآن خبيء، أو يبلغه في لطيف من لطائف كلامه حدا، لا يبلغه أحد وإن كان أوحدا. فإذا عرفتم ما نحوناه من سنن الآثار أمنتم عند القراءة مخاوف العثار، ثم تطلعون بعده على علوم تبدو للنفس، وتحتقرون معها بيان اللبس، وترون ممالك لم تملكها قبلكم أمة، ومسالك لم تجل في
مدارجها همة، فتعلمون أن كلام الله جل ذكره وعلا شأنه وأمره بحر لا تستنفد جواهره، وذو عجائب لا تستدرك بواطنه
وظواهره، وذو عمق لا يبلغ آخره، وذو طول وعرض لا يقطعه مزاخره، وهو المغنم الذي من حازه ظفرت يداه، ولم يجزع لفوت ما عداه، فالدنيا قد تتبرج بزخارفها، وتخدع نفس عارفها، إلا نفسا غلب نور قلبها ضياء بصرها، وتصورت العواقب من ثمرها، لا البوادي من زهرها، وشوهت ما تناظر منها بالفكر في قوله تعالى: 1/ب (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) يونس: 58، فلا تحزن إن أجدبت مراعيها المنتجعة، ولا إن زويت عنها عواريها المرتجعة.
فحق من دلكم عليه أن تدعوا له بالمغفرة والرحمة، والمعونة على شكر ما أولى من النعمة، شغلنا
الله بالحق عما يلهي من أحوال العاجلة، وبالعمل على ما يهون أهوال الآجلة، إنه لطيف قريب سميع مجيب.
ومن الآن أبين الطريق الذي سلكته، وأفضى به إلى علم عرفته، وأذكر ما نبهني على علم ما ادعيته، لأريكم مثل ما رأيته، وبالله التوفيق، وبه أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل.