بسم الله الرحمن الرحيم
الكتاب : الإمتاع والمؤانسة
المؤلف : أبو حيان علي بن محمد ابن العباس التوحيدي
دار النشر : دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1424 ه 2003 م
الطبعة : الأولى
تحقيق : محمد حسن محمد حسن إسماعيل
عدد الأجزاء / 1
[ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] PageV01P009 صفحة رقم 10
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
قال أبو حيان التوحيدي : نجا من آفات الدنيا من كان من العارفين ووصل إلى خيرات الآخرة من كان من الزاهدين ، وظفر بالفوز والنعيم من قطع طمعه من الخلق أجمعين ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبيه وعلى آله الطاهرين .
أما بعد ، فإني أقول منبها لنفسي ، ولمن كان من أبناء جنسي : من لم يطع ناصحه بقبول ما يسمع منه ، ولم يملك صديقه كله فيما يمثله له ، ولم ينقد لبيانه فيما يريغه إليه ويطلعه عليه ؛ ولم ير أن عقل العالم الرشيد ، فوق عقل المتعلم البليد ؛ وأن رأى المجرب البصير ، مقدم على رأي الغمر الغرير فقد خسر حظه في العاجل ، ولعله أيضا يخسر حظه في الآجل ؛ فإن مصالح الدنيا معقودة بمراشد الآخرة ، وكليات الحس في هذا العالم ، في مقابلة موجودات العقل في ذلك العالم ؛ وظاهر ما يرى بالعيان مفض إلى باطن ما يصدق عنه الخبر ؛ وبالجملة ، الداران متفقتان في الخير المغتبط به ، والشر المندوم عليه ؛ وإنما يختلفان بالعمل المتقدم في إحداهما ، والجزاء المتأخر في الأخرى ؛ وأنا أعوذ بالله الملك الحق الجبار العزيز الكريم الماجد أن أجهل حظي ، وأعمى PageV01P010 """""" صفحة رقم 11 """"""
عن رشدي ، وألقي بيدي إلى التهلكة ، وأتجانف إلى ما يسوءني أولا ولا يسرني آخرا ؛ هذا وأنا في ذيل الكهولة وبادئة الشيخوخة ، وفي حال من إن لم تهده التجارب فيما سلف من أيامه ، في حالي سفره ومقامه ؛ وفقره وغنائه ، وشدته ورخائه ، وسارئه وضرائه ، وخيفته ورجائه ؛ فقد انقطع الطمع من فلاحه ووقع اليأس من تداركه واستصلاحه ؛ فإلى الله أفزع من كل ريث وعجل وعليه أتوكل في كل سؤل وأمل ، وإياه أستعين في كل قول وعمل . قد فهمت أيها الشيخ - حفظ الله روحك ، ووكل السلامة بك ، وأفرغ الكرامة عليك ، وعصب كل خير بحالك ، وحشد كل نعمة في رحابك ورحم هذه الجماعة الهائلة - من أبناء الرجاء والأمل - بعنايتك ، ولا قطعك من عادة الإحسان إليهم ، ولا ثنى طرفك عن الرقة لهم ، ولا زهدك في اصطناع حاليهم وعاطلهم ، ولا رغب بك عن قبول حقهم لبعض باطلهم ، ولا ثقل عليك إدناء قريبهم وبعيدهم ، وإنالة مستحقهم وغير مستحقهم أكثر مما في نفوسهم وأقصى ما تقدر عليه من مواساتهم ، من بشر تبديه ، PageV01P011 """""" صفحة رقم 12 """"""
وجاه تبذله ، ووعد تقدمه ، وضمان تؤكده ، وهشاشة تمزجها ببشاشة ، وتبسم تخلطه بفكاهة فإن هذه كلها زكاة المروءة ، ورباط النعمة ، وشهادة بالمحتد الزكي والعرق الطيب والمنشأ المحمود ، والعادة المرضية ؛ وهي مؤذنة بأن المنحة راهنة ، والموهبة قاطنة ، والشكر مكسوب ، والأجر مذخور ، ورضوان الله واقع ؛ وأسأل الله بعد هذا كله ألا يسهم وجهي عندك ، ولا يزل قدمي في خدمتك ولا يزيغني إلى ما يقطع مادة إحسانك وعائدة رأيك ونافع نيتك وجميل معتقدك ، بمنه ولطفه . فهمت جميع ما قلته لي بالأمس فهما بليغا ، ووعيته وعيا تاما ؛ وبان لي الرشد في جملته وتفصيله ، والصلاح في طرفيه ووسطه ، والغنيمة في ظاهره وباطنه ، والشفقة من أوله إلى آخره . وأنا أعيده ههنا بالقلم ، وأرسمه بالخط وأقيده باللفظ ، حتى يكون اعترافي به أرسى واثبت ، وشهادتي على نفسي أقوى وأوكد ، ونكولي عنه أبعد وأصعب ، وحكمك به لي وعلي أمضى وأنفذ . قلت لي - أدام الله تعالى توفيقك في كل قول وفعل ، وفي كل رأي ونظر - : إنك تعلم يا أبا حيان أنك انكفأت من الري إلى بغداد في آخر سنة سبعين بعد فوت مأمولك من ذي الكفايتين - نضر الله وجهه - PageV01P012 """""" صفحة رقم 13 """"""