المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أضحك وأبكى، وأمات وأحيا، فعرفنا بلذة الفرح شدة الترح، وبحلاوة الحياة مرارة الوفاة. قال الطائي:
أوما رأيت منازل ابنة مالك ... رسمت له كيف الزفير رسومها
والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أدراك كيف نعيمها
وقال:
إساءة دهر أذكرت حسن فعله ... ولولا الشري لم يعرف الشهد ذائقه
وصلى الله على خير مبعوث، وأكرم وارث وموروث، محمد الذي أخرجنا من الضيق إلى الفسحة، وبعث إلينا بالحنيفية السمحة، ليضع عن ولد إسماعيل أغلال بني إسرائيل، بل ليرفع عن كل من دخل في السلم، من جملة العرب والعجم، ما أضلع حمله وأظلع ثقله، صلى الله عليه صلاة تزلف لديه، وتصعد في الكلم الطيب إليه، وعلى آله وصحبه وسلم.
سبب وضع الكتاب
سألت أطال الله بقاءك، وحرس إخاءك، من زكا بسقي مودتك زرعه ونما، وعلا برعي محبتك فرعه وسما، فانقاد إليك قلبه بغير زمام، وصح فيك حبه بغير سقام أن يجمع لك كتابا في جواهر النوادر ولمح الملح، وفواكه الفكاهات، ومنازه المضحكات، ترتاح إليه الأرواح، وتطيب له القلوب، وتفتق فيه الآذان، وتشحذ به الأذهان، ويطلق النفس من رباطها، ويعيد إليها عادة نشاطه إذا انقبضت بعد انبساطها، فقد قيل: القلب إذا أكره عمي.
وقال بكر بن عبد الله المزني: لا تكدوا هذه القلوب ولا تهملوها. وخير الكلام ما كان عقيب جمام، ومن أكره بصره عشي، وعاودوا الفكرة عند نبوات القلوب، وأشحذوها بالمذاكرة، ولا تيأسوا من إصابة الحكمة إذا امتحنتم ببعض الاستغلاق؛ فإن من أدمن قرع الباب ولج.
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إني لأستجم نفسي ببعض الباطل ليكون أقوى لها على الحق.
وقال الحسن البصري رحمه الله: حادثوا هذه القلوب بذكر الله؛ فإنها سريعة الدثور، واقدعوا هذه الأنفس فإنها طلعة؛ وإنكم إن لم تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية.
وقال أردشير بن بابك: إن للقلوب محبة، وللنفوس مللا؛ ففرقوا بين الحكمين يكون ذلك استجماما.
وقال في حكة آل داود: لا ينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من أربع؛ من عدة لمعاد، وإصلاح لمعاش، وفكر يقف به على ما يصلحه لما يفسده، ولذة في غير محرم يستعين بها على الحالات الثلاث.
وقال أبو الفتح كشاجم:
عجبي للمرء تعالت حاله ... وكفاه الله ذلات الطلب
كيف لا يقسم شطري عمره ... بين حالين نعيم وأدب
ساعة يمتع فيها نفسه ... من غذاء وشراب منتخب
ودنو من دمى هن له ... حين يشتاق إلى اللعب لعب
فإذا ما زال من ذا حظه ... فنشيد وحديث وكتب
ساعة جدا وأخرى لعبا ... فإذا ما غسق الليل انتصب
فقضى الدنيا نهارا حقها ... وقضى لله ليلا ما يجب
تلك أعمال متى يعمل بها ... عامل يسعد ويرشد ويصب