بيان تأويل ذلك
فأما قوله عليه السلام خلق آدم على صورته فقد تأوله المتأولون من أهل العلم على وجوه كثيرة سنذكرها ثم نزيد فيها ما وقع لنا في تأويله مما يوافق تأويلهم وبين خطأ من ذهب عن وجهه الصواب في تأويله وأظهر وجوه التأويل في ذلك
ومما قيل إن هذا الخبر خرج على سبب وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يضرب ابنه أو عبده في وجهه لطما ويقول قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك
فقال صلى الله عليه وسلم
إذا ضرب أحدكم عبده فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته // أخرجه البخاري //
وقد نقل الناقلون هذه القصة مع هذه اللفظة من الطرق الصحيحة وإنما ترك بعض الرواة بعض الخبر إختصارا على ما يذكر منه للدلالة على ما يحذف إذا كانت القصة عنده مشهورة مضبوطة بنقل الإثبات لأن أكثر الغرض عندهم الأسانيد دون المتون فلذلك ترك بعضهم ذكر السبب فيه
فالأولى أن يحمل المختصر من ذلك على المفسر حتى يزول الإشكال وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك لأنه سمعه يقول
قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك وذلك سب للأنبياء وللمؤمنين فزجره عن ذلك
وخص آدم بالذكر لأنه هو الذي ابتدئت خلقة وجهه على الحد الذي يحتذى عليها من بعده كأنه ينبهه على أنك قد سببت آدم ومن ولد مبالغة في الردع له عن مثله وإذا كان كذلك فهذا وجه ظاهر والهاء كناية عن الضرب في وجهه ولا شبهة فيه
والوجه الآخر مما تأوله عليه الناس أن الكناية في قوله صورته ترجع إلى آدم وذلك ينقسم إلى وجوه
أحدها أن يكون معناه وفائدة تعريفنا نعمة الله تعالى على أبينا آدم عليه السلام أن فضله بأن خلقه بيده وأسكنه جنته وأسجد له ملائكته وعلمه ما لم يعلمه أحدا قبله من الأسماء والأوصاف ثم عصاه وخالفه فلم يعاقبه على ذلك
بسائر ما عاقب به المخالفين له في نحوه وذلك أنه روي في الخبر أنه أخرج آدم من الجنة وأخرج معه الحية والطاووس فعاقب الحية بأن شوه خلقها وسلبها قوائمها وجعل أكلها من التراب وشوه رجلي الطاووس ولم يشوه خلقة آدم بل أبقى له حسن الصورة ولم يجعل عقوبته في ذلك
فعرفنا صلى الله عليه وسلم بذلك أن أباكم آدم عليه السلام كان في الجنة على الصورة التي كان عليها في الدنيا لم يغير الله خلقته وتكون فائدة ذلك تعريفنا الفرق بينه وبين سائر من أخرجه من الجنة معه وإبانته منهم في الرتبة والدرجة وهذه فائدة لا يمكن الوقوف عليها إلا بخبر الصادق
والوجه الثاني من ذلك إذا قلنا إن الهاء يرجع إلى آدم فسبيله أن النبي عليه السلام أفادنا إبطال قول أهل الذمة أنه لم يكن إنسان إلا من نطفة ولا نطفة إلا من إنسان فيما مضى ويأتي ليس لذلك أول ولا آخر وأن الناس إنما ينتقلون من نشوء على ترتيب معتاد وإن كان ذلك أبدا كان كذلك فعرفنا صلى الله عليه وسلم بتكذيبهم وأن أول البشر آدم عليه السلام خلق على صورته التي كان عليها وعلى الهيئة التي شوهد عليها من غير أن كان من نطفة قبله أو عن تناسل أو تنقل من صغر إلى كبر كالمعهود من أحوال أولاده فأما ما دلت عليه دلائل العقول من كون هذا العالم ذا ابتداء وإنتهاء
وأفاد به ما لا يوصل إليه إلا بالسمع إلا أن الأصل الذي هو منه توالدنا لم يكن عن توالد قبله بل خلق كما كان عليه وهو آدم عليه السلام خلقه الله عز وجل من صلصال كالفخار ثم خلق فيه الروح ولم يكن قط في صلب ولا رحم ولا كان علقة ولا مضغة ولا مراهقا ولا طفلا بل خلق ابتداء بشرا سويا كما شوهد // أخرجه البخاري ومسلم