فصل
أما بعد فقد وفقت أسعدكم الله بمطلوبكم ووفقنا الإتمام بما ابتدأنا به على تحري النصح والصواب إلى إملاء كتاب نذكر فيه ما اشتهر من الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يوهم ظاهره التشبيه مما يتسلق به الملحدون على الطعن في الدين وخصوا بتقبيح ذلك الطائفة التي هي الظاهرة بالحق لسانا وبيانا وقهرا وعلوا وإمكانا الطاهرة عقائدها من شوائب الأباطيل وشوائب البدع والأهواء الفاسدة وهي المعروفة بأنها أصحاب الحديث وهم فرقتان
(1) فرقة منها هي أهل النقل والرواية الذين تشتد عنايتهم بنقل السنن وتتوفر دواعيهم على تحصيل طرقها وحصر أسانيدها والتمييز بين صحيحها وسقيمها فيغلب عليهم ذلك ويعرفون به وينسبون إليه
(2) وفرقة منهم يغلب عليهم تحقيق طرق النظر والمقاييس والإبانة عن ترتيب الفروع على الأصول ونفي شبه الملبسين عنها وإيضاح وجوه الحجج والبراهين على حقائقها
فالفرقة الأولى للدين كالخزنة للملك والفرقه الأخرى كالبطارقة التي تذب عن خزائن الملك المعترض عليها والمتعرضين لها وذكرتم أن أهل البدع من أصحاب الأهواء الفاسدة العادلة له من مناهج الكتاب والسنة نحو
الجهمية والمعتزلة والخوارج والرافضة
والجسمية ومن ناصب هذه الفرقة بالعدواة من سائر أهل الأهواء الباطلة تقصد دائما تهجين هذه العصابة بنقل أمثال هذه الأخبار وتروم بذلك التلبيس على الضعفاء لتوهمهم أنها تنقل مالا يليق بالتوحيد ولا يصح في الدين وتظن أن هذه الفرقة احتملت ذلك لإعتقادها حقائق معاني هذه الألفاظ على حسب المعهود من أحوال الخلق المعروف من صفاتهم وجوارحهم وأدواتهم واشتغلت بذلك وهي ذاهبة عن معانيها غافلة عن المقاصد فيها فرمتها بكفر التشبيه وبفعلة أهل الإلحاد والتعطيل جاهلة أنها إنما نقلت ما وعت عن رسولها وروت ما سمعت عن العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد اعتقدت أصول الدين وحقائق التوحيد بدلائل العقول والسمع فروت ذلك على موافقة أصولها ومعاضدة ما شهدت البراهين بصحتها
وإنما حمل هؤلاء المبتدعة على هذا التهجين والإنكار على هذه الطائفة بنقل ما نقل من ذلك ما حمل الملحدة والمعطلة على إنكار كتاب الله تعالى اعتراضا منهم
عليه بذكر بعض ما ذهبت عن معرفه معانيها وخفائها من آياته المتشابهة
وذلك أن آي الكتاب قسمان
فقسم هو محكم تأويله بتنزيله يفهم المراد منه بظاهره وذاته
وقسم لا يوقف على معناه إلا بالرد إلى المحكم وانتزاع وجه تأويله منه
فكذلك أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم جارية هذا المجرى ومنزلة على هذا التنزيل فمنها الكلام البين المستقل في بيانه بذاته
ومنها المفتقر في بيانه إلى غيره وذلك على حسب عادة العرب في خطابها وعرف أهل اللغة في بيانها إذ لم يكن كل خطابهم جليا بينا مستغنيا عن بيان وتفسير ولا كله خفيا مستحيلا يحتاج إلى بيان وتفسير من غيره
فإذا كانت دلائل العقل الله تعالى على ما فطر عليها العقول منقسمة فكذلك دلائل السمع منقسمة
وكما لم يعترض ما خفي من دلائل على ما تجلى منها حتى يسقط دلائل العقول راسا فكذلك ما خفي من دلائل السمع لا يعترض على ما تجلى منها وإنما أراد الله عز وجل أن يرفع الذين أوتوا العلم بخصائص رفعه ودرجات فيها يبين حالهم بها عمن لم ينعم عليه بمثلها فإذا كانت دلائل العقول صحيحة مع تفاوتها في الجلي والخفي عند أكثر الملحدة فكذلك دلائل الله عز وجل فيما دلت عليه من الأحكام والأوصاف ونعوت الخالق والخلق وكذلك كون تنويع دلائل السمع الذي هو السنن متنوعة لا يبطلها جهل الجاهل بمعانيها