جواب ثالث- وهو أن أبا عبد الله قد نقلت عنه في هذه المسألة أجوبة قد ذكرناها في نص المسألة في كتاب الطلاق فتارة قال قد أدخل فيها الألف ولام علة لاتباع الثلاث لأنه بلفظ الجمع، وتارة قال في دخول الألف: والله إنه ما يراه في جوابه إذ قال أنت الطلاق. وهذه مسألة تأتي في مكانها بما فيه غنية، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق. PageV01P119
باب البيان عن الجواب بأخاف
قال الحسن بن حامد: وكل ما ينقل عن أبي عبد الله من الأجوبة بأخاف أن يكون قد لزمه إذا خاف أن يكون قد أفسد صلاته أو حنث فذلك بأمره مستحق به أعلام الأحكام وبيان المراد.
صورة ذلك: ما قال أبو الحارث سألت أحمد عن رجل حلف أن لا يدخل الدار فحمل فأدخل الدار وهو غافل لا يريد الدخول قال: أخاف أن لا تجزئ. قيل له في صدقة الفطر قال أخاف أيضا أن لا تجزئ.
وقال مهنا قلت: قال لعبده: لا ملك لي عليك. قال: أخاف أن يكون عتق.
ونظائر هذا يكثر كل إذ أورد منه الجواب بهذه الصيغة، فإن ذلك علم لإيجاب الحكم ولإثباته، وهذا مذهب شيوخنا، قطع عبد العزيز وغيره به.
وقد يجيء على قول بعض أصحابنا إن ذلك لا يكون حتما، وإنما يكون على التوقي عن الفعل، وأنه يتنزه عنه، فأما أن يكون مفروضا فلا.
ومن يذهب إلى هذا فيستدل بما رواه مهنا قال: قلت لأبي عبد الله: حديث عبد الله بن وهب قال ثنا عمرو بن الحارث أن أيوب بن موسى حدثه أن يزيد بن عبد حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يعق عن الغلام ولا PageV01P120
يمس رأسه. وقال في الإبل فرع وفرع. قال أحمد: ما أطرف هذا الحديث ولا أعرف هذا. قلت له: تنكره؟ قال: لا. فيقولون إنه لما كان قد قال لا أعرفه. وقال: ولا أنكره علمت أنه إذا قال أخاف فإنه لا عن قطع بذلك بل هو علم للتوقف والاحتمال للشيء لا غير ذلك. وهذا كله فلا تأثير له. والدليل على صحة قولنا إنا وجدنا الأمر في حل اللسان وذلك أنهم قد يركبون الزجر والنهي بالمخافة فيقولون لا تفعل لنا نخاف عليك، وهذا يخاف عليك منه، وقد ورد القرآن بذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا}. الىية فأثبت الاسم في قوله خاف علما ليقين الخوف في الوصية كأنه قال فإذا ثبت أنه قد يخيفهم في وصية فلا إثم على الوصي في تغير وصيته والإصلاح فيما بينم، وإن خالفه فيما بناه في وصيته. ومن ذلك قوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها}. وليس التسمية في قوله إن خفتم من حيث التظن والتشكيك، بل ذلك ليتبين الشقاق كأن قال فإذا تيقن الشقاق بينهما بعث الإمام عن كل واحد حكما. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم}. الآية. قولوه: {وخافوني إن كنتم مؤمنين}. وقوله عز وجل: {لا تخاف دركا ولا PageV01P121
تخشى}. ونظائر ذلك كل فيه تقرير الزجر والردع والثبات عن عين الشيء وحقيقته، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
ثم الذي يدلك على ذلك أيضا من السنة ما قدمنا من حديث عطية السعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تكون من المتقين حتى تدع ما لا بأس به خوفا مما فيه البأس. فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم في الزجر عن أعيان الحرام خوفا، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه في الكتاب والسنة لما ذكرنا أصلا. ثم إنا وجدنا العادات في عرف الناس أنهم يوقعون الزجر عن الشيء فالتحذير منه بتسمية الخوف، ألا ترى أنهم يقولون نخاف من هلكة ما به تحذيرا، ويقال خاف على ولده تحذيرا بمثابة الزجر عن الشيء نصا، فإذا ثبت هذا في الأصول كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.