وقد نقل الميموني عن أبي عبد الله في هذا النحو وأكثر وأنه كان لمسائله فيقول لا تكتب، ويقال حتى يتناظر، وربما وقفت المسألة يوما حتى يناديه أبو عبد الله بالجواب بينا، وللعلماء بالاجتهاد ذو نأي بينهم في الأجوبة والتوقف على القطع حتى يصح لهم نص الأمر يباينون غيرهم ويبلغون بذلك منازل الأئمة ويتبعون منهج الصحابة وما عليه الدليل الواجب اتباعه على الكافة وبالله التوفيق.
مسألة ثالثة: فأما إذا صدر فيه الجواب قطعا وقارن ذلك بدليل حتما وأردف ذلك بحكاية بذهب بحادث ما سبق من جوابه:
صورة ذلك: ما قاله الميموني قلت لابن حنبل قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا}. قال: هو أن يشهد بشهادة فتطلب منه فلا يأبى.
قلت: وقد قال بعضهم تفسير هذه الآية إذا طلبوا يشهدون. قال: قد قال ذلك بعضهم.
ومن ذلك: قال حرب: قلت: حلف كاذبا متعمدا فيه كفارة؟ قال: هذا أعظم من أن يكون فيه كفارة، وقد روى عن بعضهم أنه قال: يكفر. والمروذي عنه في السعاية وقال بعضهم: يسعى. PageV01P085
والرواية عن الأثرم في الأضاحي إذا اشترى أضحية فأصاب معها أخرى فقال مثل قصة عدي بن حاتم ثم أرسل كلبي خالطه غيره. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا يأكل. قال: إذا كانت ذكية ومنية: لا يأكل يذكيا جميعا وهؤلاء يقولون يأكل واحدا ويدع واحدا. ونظائر هذا يكثر والمذهب أنه لا يكون بالذكر لقول غيره بعد جوابه بالثبات مضعفا له. وقد يحتمل فيه وجه آخر وأنه يذكره لقول بعض الناس بعندنا أنه إن ذهب إليه ذاهب فقد أصاب مذهبا مرضيا غير فاسد، ألا ترى إلى ما نقله عنه صالح: قلت لأبي: يكبر في دبر كل صلوة الضحى كما يكبر في الفرض أم لا؟ قال: إن ذهب إليه رجل فقد روى عن بعض الناس والمعروف المكتوبة. PageV01P086
وهذه المسألة تعطي أنه إذا قال: وقد قال بعض الناس إنه يقيد الأخذ به، ومن ذهب إلى هذا الوجه وجعل له بحكاية عن بعض الناس مذهبا، فطريق الاستدلال له في ذلك أن أبا عبد الله لا يحكي بعد جوابه مسألة يقطع فيها بزور وبهتان، وإنما يحكي ما له دخل في الجواز، فإذا حكى شيئا بعد جواب سالف، علمت أنه قارنه بما له دخل في الجواز. وأيضا فإنه إنما يحكي ذلك لفائدة ولا ثمرة لذلك فائدة إلا أن يثبت لنا بذلك زيادة في الإجارة وأيضا فقد ثبت أن أبا عبد الله رضي الله عنه إذا سئل فقد يعتمد في جوابه على الفتوى بقول سابق، ويكون ذلك صريحا في مذهبه، فإذا ثبت هذا كان كذلك إذا قرن جوابه بالحكاية عن مذهب غيره أنه يفيدنا أنه بين عن قول ثاني لا غير ذلك. وهذا كله فلا وجه له، والأشبه ما ذكرناه وأن بالحكاية لا ينسب إليه مذهبا. والدليل على ذلك ظاهر ومعنى. فالظاهر كتاب وسنة، فالكتاب إنا وجدنا ما ورد في الكتاب بلفظ الخبر لا يدخل فيه بعتب ولا بثمر لنا إلا إيقاع العلم بمثابة مأمور آخر بنا ألا ترى إلى الخبر عن أهل الجنة وأهل النار، وما كان من بيان الكفار ومن خلا من القرون وما أخبرنا به عن المعاقبة والرضوان، وكل ذلك بالاتفاق لاحظ فيه الإيقاع العلم لنا بمثابة أمرنا ورأينا ما جاءنا بالحتم من أمر لازم أن حظ إثبات الحكم لنا وعلينا بقوله: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}. {ولا تأكلوا الربا}. {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}. ونظائر ذلك يكثر كل حظ في المخاطبة الختم على الأمور فإذا ثبت هذا في التنزيل وجب لك أن يكون حظ الخبر عن الأقاويل يكتسى إلا إثبات العلم بمثابة ورود الخبر.