المباح داخل تحت التكليف
؟ PageV02P019
إرادة الله لفعل المباح
فصل: يجوز وصف المباح بالحسن والقبح
قيل له: إن أردت بذلك أنه ما قد أعلم المكلف من جهة السمع تحليله وإطلاقه والإذن له في فعله فذلك صحيح, وإن عنيت أن المكلف مأمور به على وجه الفرض أو النفل فذلك باطل بما قدمناه.
فصل: فإن قيل: أفتقولون إن المباح من الأفعال حسن أو قبيح؟
قيل: لا يجوز وصفة بذلك, لأنه لا تكليف علينا في تعظيم فاعل المباح ومدحه به والثناء عليه -[13]- ولا بذمه وانتقاصه, وليس معنى حسن الفعل أو قبحه أكثر من تكليفنا تعظيم فاعله ومدحه أو إهانته وذمه, أو اعتقاد استحقاقه لذلك, وإن لم نؤمر به فيه, وإنما قلنا أو اعتقاد استحقاقه لذلك, وإن لم نؤمر به لأجل قيام الدليل على وقوع المعاصي من الأنبياء عليهم السلام, وإن لم يجب علينا إهانتهم بها وذمهم وسوء الثناء عليهم لموضع تفضل الله سبحانه بإزالة المستحق عليهم من ذلك, وأمرنا بالكف عنه لما أراده من إعظامنا إياهم وتوقيرنا لهم.
فصل: فإن قال قائل: أفتقولون: إن الله سبحانه مريد لفعل المباح إذا وقع من فاعله؟
قيل له: أجل, ولكل حادث من أفعال الخلق على مرتبه وتصرف أحواله.
وقد زعمت القدرية أن الله سبحانه غير مريد للمباح ولا كاره له, لأنه لا PageV02P020
صفة له تزيد على حدوثه تقتضي إرادته أو كراهيته, ولو كان كذلك لأمر به أو نهي عنه.
فإن قال قائل: فيجب أن يكون آمرا بالمباح إذا كان قال لفاعله: افعله وهو مريد له منه إذا كان المعلوم وقوعه منه, لأن القول"افعل" إنما يصير أمرا لإرادة الفعل المذكور فيه. يقال له: لا يجب ما قلته, لأننا قد بينا فيما سلف أن الأمر أمر لنفسه لا لإرادة الفعل المذكور فيه فسقط ما قلته.
ويدل على فساد هذا القول- أيضا- أنه قول يوجب على من زعم منهم أن الله سبحانه وقد أراد أهل الجنة إليها مع قوله تعالى {ادخلوها بسلام آمنين} وأراد أكلهم وشربهم مع قوله تعالى: {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون} أن يكون الله تعالى آمرا وناهيا ومكلفا لأهل الجنة, وأن يكونوا في داغر محنة وتكليف.
وقد اضطربت القدرية عند هذا الإلزام, فقال كل من حقق كلامه, وعلل كونه أمرا بالإرادة للمأمور به أنه سبحانه وتعالى غير مريد لدخولهم الجنة, ولا لأكلهم وشربهم وتصرفهم, لأنه لو أراد ذلك مع قوله لهم: {ادخلوها بسلام آمنين} لوجب أن يكون آمرا لهم بذلك، وأن تكون كدار الإبتلاء والمحنة, وأن يكونوا مرهبين ومزجورين ومرغبين. وهذا يوجب إفساد النعيم, وكونهم في تنغيص وتكدير, وذلك باطل. PageV02P021
وقال ابن الجبائي منهم أنه أمر لهم بدخول الجنة, ومريد منهم دخولها مع قوله: {ادخلوها} لأنهم لا يصلون إلى ثواب أعمالهم إلا بدخولها وترك إثابتهم ظلم لهم, وهو كاره لظلمهم ومريد لأجل ذلك منهم -[12]- الدخول والأكل والشرب ما يصلون به إلى ثواب أعمالهم, وكاره لترك الدخول الذي لا يصلون به إلى الثواب- وهذا يوجب أن يكون أمرا لهم بدخول الجنة على سبيل الفرض والوجوب لقوله: {ادخلوها}. وإرادة الدخول منهم, وكراهيته لتركه, وكل مأمور به ومكروه تركه فإنه واجب مفروض, ولا بد في الإيجاب والنهي عن الترك من ترغيب وزجر وترهيب ووعد ووعيد فيجب أن تكون هذه حال أهل الجنة, وأن يكونوا في دار تنغيص كهذه الدار, وذلك خروج عن الإجماع. وهذا أحد الأدلة على أن القول "إفعل" لا يجب كونه أمر لإرادة الفعل المذكور فيه, ولا جواب لهم عنه.