باب
القول في منع القياس في الأسماء
اختلف الناس في هذا الباب، فأجازه قوم من المتكلمين والفقهاء. ومنعه آخرون. وهو الصحيح الذي نقوله به.
وأعلموا أن الأسماء على ضربين: PageV01P361
فضرب منها علم محض ولقب جامد، وضع للفرق بين الذوات والأشخاص، ولم يوضع لإفادة الفرق في الصفة، وذلك نحو تسمية الشخص زيدا وعمرا، وأمثال ذلك مما لا يفيد معنى وصفة في المسمى. وقد اتفق على أن ما هذه سبيله لا يصح القياس عليه، لأن كل من يرى القياس في الأسماء فإنما يقيس على معنى في المسمى وضع الاسم لإفادته، واللقب ليست هذه حاله.
والضرب/ ص 90 الآخر مفيد للفرق في الصفة، نحو القول: قاتل وضارب وعالم وقادر وخل وخمر، وما أشبه ذلك مما وضع لإفادة معنى في الموصوف، وهذا- أيضا- مما لا يصح القياس عليه لأمرين:
أحدهما، اتفاق الكل على أن وضع اللغة وضع حكمي صحيح، وأن الغرض في وضع الأسماء الإفادة بها. وإذا كان ذلك كذلك وجب أنهم إذا وضعوا الاسم لإفادة الصفة إما مطلقة أو مقيدة، وليدلوا به على تلك الفائدة وجب اطراد ذلك الاسم واجراؤه على كل ما وجد فيه ذلك المعنى، وإلا فسدت الدلالة وانتقضت المواضعة، ووجب أن يكونوا متى وضعوا الاسم لإفادة الصفة في إطلاق أو تقييد أن يكون جاريا في جميع ما وجدت فيه. وأن يكون وضعهم الاسم لها، وتركهم التوقيف لنا على أنه مقصور على بعض ما هي في بمثابة قولهم ونصهم على أنهم وضعوا الاسم لكل من فيه تلك الصفة وقام العلم بصحة وضعهم. PageV01P362
أدلة المانعين للقياس
الثاني: وبما وصفناه من حالة مقام نصهم لنا على أنهم قد أجروا الاسم على كل من فيه تلك الصفة، ولم يكن للقياس مع توقيفهم لنا على ذلك وما يقوم مقام التوقيف وجه باتفاق، لنصهم لنا على أنهم قد سموا كل من له تلك الصفة مما قد وجد قبلهم وبعدهم وفي عصرهم بذلك الاسم. وهذا واضح في إحالة دخول القياس في الأسماء.
فصل
ومما يدل على منع القياس في الأسماء أن أهل اللغة إذا سموا شخصا من الحيوان أدهم عند وجود السواد به، ووقفونا على أنهم سموه أدهم لوجود السواد به لم يخل حالهم من أربعة أمور:
إما أن يكونوا قد وقفونا- مع ذلك- على أن القول أدهم جار في لغتهم على كل ما وجد فيه السواد من حيوان وغيره/ ص 91 مما وجد قبلهم وكان في عصرهم ويوجد بعدهم ..
أو أن يكونوا قد وقفونا على أنهم إنما قصروا الاسم على ذلك الشخص وحده لوجود السواد به.
أو أن يكونوا قد وقفونا على أنه جار على جنس ذلك النوع من الحيوان دون سائره.
أو أن يكونوا إنما وقفونا على أنهم سموه أدهم لوجود السواد به، ولم يقفونا على أنه مقصور عليه أو على نوع من الحيوان، ولا على أنه جار على نوع ذلك الحيوان، ولا على غيره. ولابد من هذه القسمة:
فإن كانوا قد وقفونا على أن الاسم مقصور عليه وحده فلا شك أن من سمي غيره بذلك الاسم فقد خالف حكم لغتهم ووضعهم.
وكذلك إن كانوا قد وقفونا على أنه اسم جار على نوع ذلك الحيوان PageV01P363
فقط فمسمي غيره من الحيوان بذلك الاسم مخالف للغتهم.
وإن كانوا قد وقفونا على أنهم يسمون بذلك الاسم كل ما وجد به السواد ماضيا وفي حال مواضعتهم ومستقبل أوقاتهم، فلاشك أن جريان الاسم على كل أسود توقيف، لا قياس.
وإن كانوا سموا الشخص أدهم، وقالوا سميناه بذلك لوجود السواد به لم يخل حالهم من ثلاثة أمور: