باب
القول في وجوب اتصال الاستثناء
بالمستثنى منه وإحالة تأخره عنه
قد اتفق الدهماء من أهل اللغة والمعاني من المتكلمين والفقهاء على وجوب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه ومنع تأخره عنه, وقد حكي عن عبد الله بن عباس رضوان الله عليه أنه كان يجوز تأخيره عنه, ويجب تأول ما روي عنه من ذلك على وجه يوافق ما عليه أهل اللغة مع أن الرواية عنه لم تقم بها حجة واتفق كل من أحال تأخير البيان على إحالة تأخير الاستثناء عن المستثنى عنه, لقولهم بإحالة تأخير البيان, لأنه أحد البيانين, فلو جاز تأخيره لكان تأخير ما ليس باستثناء من القول, والأدلة المنفصلة أحرى وأقرب, فهذا واجب على أوضاعهم.
فأما الذي يدل على إحالة ذلك مع القول بصحة تأخير البيان فهو علمنا PageV03P128
بأن أهل اللغة لا يستعملون الاستثناء في الكلام إلا متصلا به ومتقدما عليه في كلام يكون معه جملة واحدة على ما نبينه من بعد, وأنهم يستقبحون تأخيره عنه ولا يجعلوه مفيدا, لأن القائل إذا قال: رأيت الناس, ثم قال بعد شهر أو حول إلا زيدا وغير زيد وسوى زيد لم يفد بقوله إلا وغير وسوى إذا أورده منفصلا منقطعا متأخرا عن الكلام, وما ليس بمفيد من الكلام شيئا مطرحا عندهم.
ويدل على ذلك ويبينه اتفاق أهل اللغة على إجرائهم الاستثناء من الكلام مجرى الشرط فيه والتقييد له ومجرى الابتداء والخبر, وقولهم إن ذلك أجمع إذا بتر من الكلام وأخر لم يكن مفيدا, لأن القائل إذا قال: اضرب زيدا, ثم قال بعد شهر أو يوم أو حول إذا قام أو إن قام, أو إذا كان قائما أو راكبا لم يكن ذلك مفيدا شيئا, وقبح استعماله, وكذلك لو قال أعتق رقبة أو صم شهرين أو أطعم فقيرا, قال بعد حول مؤمنة ومتتابعين ومسلما لم يكن ذلك تقييدا للكلام ولا مفيدا, ولا حالا محل قولهم اعتق رقبة مؤمنة, وصم شهرين متتابعين وأطعم فقيرا مسلما, وكذلك لو قال قائل زيد, ثم قال بعد شهرين, منطلق أو قائم أو قام وانطلق لم يكن ذلك مفيدا ولا خبر مبتدأ ولو جعل ذلك متصلا لكان حسنا مفيدا, وثبت بذلك ما قلناه.
فصل: فإن قيل: فكيف خفي ما قلتموه على ابن عباس مع علمه وفصله وكون اللغة له طبعا.
قيل له: عن هذا جوابان:
أحدهما: إن الرواية عنه غير معلومة, ولعلها أن تكون متوهمة عليه أو موضوعة له. PageV03P129
والجواب الآخر: إنها إن صحت عنه حملت على تأويل يوافق طريقة اللغة, فيمكن أن يكون أراد بالقول بجواز ذلك القول, بأنه يجوز أن يضمر المتكلم الاستثناء في نفسه عقيب كلامه ويخبر بعد مدة عن إضماره لذلك, فأجل الخبر عن الاستثناء المضمر المتصل بالكلام محل الاستثناء, وهذا قريب غير بعيد.
فإن قيل: فما وجه إحالة الخبر عن الاستثناء وإن تأخر محل الاستثناء المضمر المتصل بالكلام؟
قيل: وجه ذلك أن الاستثناء لو أظهره المستثنى متصلا بكلامه لأفاد التخصص, وكون المستثنى عير مراد بالقول, فكذلك الخبر عنه, وإن تأخر يفيد أن بناء الخبر خبر عن إضمار استثناء وقت تكلم غير داخل في كلامه ولا مراد به, فهذا وجه يصح حمل كلامه عليه, ولو صح عنه التصميم على صحة تأخير الاستثناء وفصله من الكلام لكان ذلك خلافا منه على أهل اللغة وبمنزلة أن يقول بجواز تأخير التقييد والشرط والخبر عن الكلام والابتداء, ولا خلاف في إحالة ذلك, فثبت ما قلناه.