باب
الكلام في إحالة تخصص ما ثبت الحكم فيه
بلحن القول وفحواه
وهذا نحو امتناع تخصص ما عقل من قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ولا يظلمون فتيلا}. {ومن أهل الكتاب من إن تامنه بقنطار يؤده إليك}. وأمثال ذلك, وإنما امتنع تخصص المفهوم منه مما عذا المنصوص عليه من الأذى والذرتين ونصف الذرة مما تتناوله الاسم ودخل تحته, وإنا هو مفهوم منه وفي معنى المستنبط, وإن لم يكن كذلك, ولكنه مما يسبق إلى الفهم العلم به من غير ذكر له بتسمية ولا استنباط على ما بيناه من قبل.
وقد بينا فيما سلف أن التخصص لا يكونه تخصصا إلا للقول وإخراج لما يتناوله ويجب دخوله فيه, أو يصح دخوله تحته، ويجري الاسم عليه لانفراده, وليس هذه حل المفهوم بلحن الخطاب وفحواه, فامتنع لذلك تخصصه. PageV03P085
والوجه الآخر أن تخصص/ 369 ما هذه سبيله نقض للكلام وإحالة فيه على قول جميع أهل اللغة, لأنه لو قال: ولا تقل لهما أف وأضربهما وانهرهما لكان ذلك نقضا ظاهرا, وكذلك لو قال لا تظلمون مثقال ذرة, ولكن تظلمون أحد لكان ذلك نقضا وخلفا من القول. فإذا كان ذلك كذلك امتنع تخصص ما هذه حاله, ولكن يصح تخصص الأوقات في مثل هذا فيقول لا تقل له في يومك ووقتك هذا أف وأضربه وأنهره في غد, ولا تقل له أف إذا كان مؤمنا بالله. فإذا لم يكن مؤمنا تغيرت الحال. ومفهوم الخطاب وموجب مفهوم الخطاب. وهذت صحيح لاختلاف الأغراض والدواعي والمصالح فيه.
فصل: ومما يلحق بهذا الباب- أيضا- امتناع تخصص ما ثبت حكمه من ناحية فائدته بالنص على تعليله بقول "جار" مجرى النص على ذلك. وهذا نحو قولهم لا تصحب الفاسق والجاهل, وأصحب البر الطاهر, وقد علم أن هذا ترغيب وتحذير, وقائم مقام النص على ذلك التعليل, وبمثابة أن يقول لا تصحب الفاسق لفسقه واصحب البر لبره, فإذا قال ولا تصحب فلانا البر واصحب زيدا الفاسق نقض تعليل, وأبطل فائدته.
ومن هذا- أيضا- قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} , {والسارق والسارقة فاقطعوا} فكأنه قال اقطعوه لكونه PageV03P086
سارقا. وإنما يدخل التخصص في ذلك للعلم, فإنه أراد سارقا وزانيا على صفات مخصوصة, وكأنه قال لقطع سارق ربع دينار, والسارق من حرز لكونه سارقا على هذه الصفة فلا يصح تخصصه مع حصول الصفة, لأنه نقص للتعليل. ومعنى الكلام.
وكذلك لو قال قائل: فد نهيتك عن صحبة الفاسق العاصي بالزنا لكونه عاصيا له لصح أن يقول: وقد أطلقت لك صحبة العاصي بغير ذلك, فيجب ترتبه على ما قلناه. ويجب على هذه إحالة تخصص دليل الخطاب عند مثبتيه, نحو قوله: "في سائمة الغنم زكاة" لأن دليله عندهم أن لا زكاة في المعلوفة. فلو دل دليل على أنه أراد (بعض) إسقاطها عن بعض المعلوفة دون بعض لم يكن ذلك تخصيصا, لأنه لم يقل ولا زكاة فيما لا سوم فيه.
وإنما بهم ذلك دليلا. والتخصص إخراج ما تناوله الاسم، ويجب إذا كان دليل الخطاب عندهم من مفهومه امتناع دخول التخصص فيه, لأنه نقض للدليل. PageV03P087