بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي القدرة والجلال والعز والسلطان والطول والامتنان منزل
الفرقان، والناسخ بما أودعه من البيان وتفصيل الحلال والحرام ما سلف من
الشرائع والأحكام، والضامن للرسول عليه السلام حفظه وحراسته من الناس أهل الكفر والبهتان ومطاعن ذي الجهل والشنآن، فقال جل ثناؤه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) .
وقال سبحانه: (إن علينا جمعه وقرآنه (17) .
وقال فيه تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) .
وجعله مهيمنا على الكتب، وقال عز وجل: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1)
وجعله بما فيه من عجيب نظمه وجزالة لفظه وبديع وصفه وخروجه عن جميع أوزان كلام العرب ونظومه، آية لرسوله ودلالة قاهرة وحجة ظاهرة لنبوته، وفطر الخلق على القصور عن مقابلته، وبالغ في تعريفهم بالعجز عن معارضة
سورة من مثله، وحسم بعظيم بلاغته وأنواع فصاحته أطماع الملحدين
والمنحرفين في تكلف نظيره والتمكن من الإتيان بشبهه وعديله، وأخبر أنه
ليس من بحار كلام المخلوقين ولا شبه ما أضافوه إليه من أساطير الأولين
وتلفيق المتكلمين ونمط كلام الشعراء والمترسلين، فقال عز وجل في نص
التلاوة: (فأتوا بعشر سور مثله) ، ثم قال تعالى: (فأتوا بسورة من مثله) ، ثم قال جل وعز: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) .
وقال سبحانه: (وإنه لذكر لك ولقومك) ، يقول إنه لشرف لك
ولقومك، وقال تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103) .
ثم نبه تبارك وتعالى إلى أن مجيء القرآن من مثله خرق للعادة ونقض
لما عليه تركيب الطبيعة مع علم القوم بنشوه وتصرفه في ظعنه ومقامه، فقال
جل اسمه: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) .
وقال عز وجل: (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) .
وقال تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين) .
وقال عز وجل في قصة نوح: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) .
فنبه ونص وبين في نفس التلاوة على أنه إنما علم ذلك وتلقاه من قبل
وحيه إليه به، ثم أمر بالرجوع عند التنازع إليه، والاقتباس منه، والعمل
بموجبه، والمصير إلى محكمه، والتسليم لمتشابهه علما منه بأنه تعالى
متولي لحفظه وحياطته، وعرفنا أنه ما فرط فيه من شيء، وأنه تبيان لكل
شيء، فقال عز وجل: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) .
أي إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقال جل ثناؤه: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) .
وقال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) .
وقال جل ذكره: (تبيانا لكل شيء) .
وقال سبحانه: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) .
في نظائر لهذه الآيات أخبر فيها عن حفظه لكتابه وحراسته، والأمر بالرجوع إليه والعمل عليه، وتشريفه على سائر الكتب، وشدة تعظيمه له، وأنه محفوظ مصون من كيد الزائغين وتحريف المبطلين، فالحمد لله الذي هدانا بنور كتابه وأرشدنا لتصديقه ووفقنا لاتباع متضمنه، والتمسك بمعالمه والنقض لمطامع القادحين في تنزيله، والكشف عن شبه الملحدين في تأويله، وصلى الله على رسوله محمد القائم بما كلفه من أدائه، والمناصح المجتهد فيما