[خطبة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ضارب الأمثال في أفضل الأقوال، الذي وشح به قرآنه، وضمنه بيانه، تنبيها للقلوب المنغمسة في بحار الجهالة، وإيقاظا للنفوس المرتبكة في ظلم الضلالة، ولم يستح أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها «1» ، ونساجة عنكبوت فما دونها «2» ، إذ كان الاعتبار عظيما وإن صغر أمرهما، والادكار بصنعهما «3» جسيما وإن لطف قدرهما، وصلى الله على من أنزل ذلك عليه، وأسند بتبليغه الأمر إليه، محمد سيد المرسلين، وصفي رب العالمين وعلى آله الطيبين الأخيار، وبعد:
فالإيجاز في الكلام إذا صادف مواقعه حلية، والتشبيه إذا ورد مواضعه زينة، والتعريض في كثير منه أبلغ من التصريح، والكناية في أماكنها أوقع من التحقيق. ولما وجدت جميع هذه الخلال مجتمعا فيما ضربته العرب من الأمثال، رأيت أن أجمع للراغبين في الأدب ما رويته عن أكابر السلف- رحمهم الله- مجموعا في تصانيفهم، ومفرقا في أماليهم وأن أجعله مرتبا على حروف «4» ... في ذلك كله، وفي جميع ما نشرع فيه توفيقا لما يقرب منه ويرضيه بمنه وجوده، وهو حسبنا الله ونعم الوكيل.
باب ما جاء من الأمثال
أوله ألف على مذهب الكتاب، أو همزة على مذهب النحويين
ما جاء منها على أفعل مع الباء
[1]- أبلغ من قس. هو قس بن ساعدة الإيادي وكان أبلغ العرب.
[2] أبقى من وحي في حجر. الوحي: الكتابة.
[3] أبصر من عقاب ملاع. الملاع: الصحراء، والملع: السرعة، يقال ذلك لأنها تعرف من حيث لا ترى أنثى الأرانب فتخطفها دون الذكر، لأنه يلتوي على عنق العقاب فيقلتها.
[4]- أبصر من الزرقاء. أمرأة من جديس كانت ملكة اليمامة، وزعموا أنها كانت تبصر من مسيرة ثلاث.
[5]- أبعد من العيوق. يراد به مجرى القمر، لأنه يجري بالبعد منه، ولا يكون منزلا له أبدا، وتزعم العرب أن القمر رام المسير عليه، فاعتاقه عن ذلك، فسمي العيوق لعلوه عن سائر الكواكب. PageV01P004
[6]- أبعد من بيض الأنوق. الأنوق: طائر يبيض في شعفات «1» الجبال لا يوصل إلى بيضها أبدا.
[7]- أبر من العملس. من بره بأمه أنه حمل إليها غبوقا «2» من اللبن في عس «3» فصادفها نائمة، فكره إنباهها والانصراف عنها، فأقام قائما يتوقع انتباهها، والعس على يده حتى أصبح.
[8]- أبخل من مادر. هو رجل من بني هلال سقى إبله وبقي في أسفل الحوض ماء قليل، فسلح فيه، ومدر به الحوض، أي طينه بخلا بأن يسقى منه.
[9]- أبرد من عضرس. PageV01P005
[10]- وعبقر وحبقر. وكله الماء الجامد ويروى بالتشديد أيضا.
[11]- أبصر من غراب. العرب تسميه الأعور قلبا لحدة بصره. ويقال إنه يغمض إحدى عينيه أبدا لاجتزائه بالنظر بالأخرى.