والثاني: أن النكرة تشيع في الجنس ولا يقتصر بها على اثنين لا ثالث لهما، ألا ترى ما كان في ابن آدم من عضوين مثل اليدين والرجلين والعينين والأذنين لا تطلق على الاثنين بلفظ الواحد حقيقة، وإذا كثرت أعضاؤه وأجزاؤه قيل: عضوه، وجزؤه، فيشيع في سائر أعضائه وأجزائه لكثرتها، فلما لم يكن للإنسان إلا فرجان لا ثالث PageV01P493
لهما لم يجز على طريق الحقيقة أن يقول: «إذا أفضى إلى فرجه».
وهو يريد الفرجين، فثبت أنه أراد فرجا واحدا، والقبل متفق عليه دون الدبر. PageV01P494
فصل
قد ذكرت أن أحمد بن حنبل وعطاء والأوزاعي يوافقوننا في مسه لشهوة بظاهر اليد وباطنها غير أن أحمد يقول: لا يتعدى اليد إلى غيرها، والأوزاعي يقول: إن مسه بسائر أعضاء الطهارة نقض الوضوء، وأما غيرها من الأعضاء فلا.
فإن صح ها عنهم قلنا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ»، وقال: «الوضوء من مس الذكر»، والمس يقع بسائر الأعضاء، لا فرق بين اليد وغيرها، فلا فرق بين أعضاء الطهارى وغيرها.
ومن طريق المعنى: فإن اللذة تحصل بسائر المماسة من الأعضاء كلها، كما تحصل باليد وبأعضاء الطهارة، فإن جاز لإنسان أن يتعدى باطن اليد على ظاهرها، ويتعدى اليد على غيرها من أعضاء الطهارة، جاز لنا أن نتعدى ذلك إلى سائر الأعضاء؛ بعلة أن حصل ما ذكرناه بعضو من بدنه ملتذا بذلك لذة الجماع أو لشهوة الجماع. PageV01P495
فصل
عند داود إذا مس ذكر نفسه توضأ، ولا شيء عليه في مس ذكر غيره.
والدليل لقولنا: قوله رضي الله عنه: «في مس الذكر الوضوء»، وهذا عام في كل ذكر.
فإن قيل: قوله في الخبر الآخر: «من مس ذكره فليتوضأ». PageV01P497
دليله إذا مس ذكر غيره فبخلافه، وهذا الدليل يقضي على عموم خبركم في الذكر؛ لأنه أخص منه.
قيل: الذي نعرف من مذهبكم: إن الخبرين إذا تعارضا لم تقضوا بالخاص على العام وإن أمكن استعمالها، بل يسقطان جميعا.
فإن أردتم القضاء بالدليل على العام، قلنا: القياس عليه إذا مس ذكر نفسه؛ بعلة أنه مس ذكر آدمي ملتذا به، أو بعلة أنه مس ذكرا لو والج في فرج لوجب فيه الغسل على وجه ملتذا بمسه.
وأيضا فإنه إذا مس فرج غيره فقد هتك حرمة الغير، وإذا منس ذكر نفسه لم يهتك الحرمة، فلما نقض الوضوء إذا لم يهتك الحرمة كان بأن ينقض الحرمة أولى. PageV01P498