[17] مسألة
اختلف الناس في الإنسان إذا قعد لحاجته من غائط أو بول في استقبال القبلة واستدبارها على ثلاثة مذاهب:
فذهب النخعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، واحمد، وأبو ثور، إلى أنه لا يجوز أن يستقبل القبلة ولا يستدبرها في الصحاري والبنيان جميعا، وروي هذا عن أبي أيوب الأنصاري.
وروي عن عروة، وربيعة، PageV01P337
وهو مذهب داود أنه يجوز الاستقبال والاستدبار جميعا في الصحارى والبنيان جميعا.
وذهب مالك، والشافعي إلى أنه يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان، ولا يجوز في الصحارى والفلوات.
وقد روي عن أبي حنيفة أنه يجوز الاستدبار وحده في الصحارى والبنيان، وإنما الذي لا يجوز عنده الاستقبال في الصحارى والبنيان.
واستدل أصحابه بأربعة أخبار:
أحدها: ما روى الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي PageV01P338
أيوب الأنصاري أنه قال: أل رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولكن ليشرق أو ليغرب»، قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض جعلت إلى القبلة، فكذا ننحرف عنها ونستغفر الله.
قالوا: موضع الدليل منه: أنه نهى عن استقبال القبلة واستدبارها، فهو عام في كل المواضع.
والثاني: أنه أمر بالتشريق والتغريب، وأمره على الوجوب.
والثالث: أن أبا أيوب حيث قدم الشام ن وجدهم يستقبلون القبلة، فانحرف عن مجالسهم ن فدل على أن النهي متوجه إلى البنيان.
والحديث الآخر: هو ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم لغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط أو بول، وليستنج بثلاثة أحجار، PageV01P339
ونهى عن الروث، والرمة، وأم يستنجي الرجل بيمينه»، فنهى عليه السلام عن الاستقبال والاستدبار، ولم يفرق بين الصحارى والبنيان.
وأيضا ما روي عن سلمان أنه قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة لغائط أو بول.
وروى معقل بن أبي معقل الأسدي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن PageV01P340
استقبال القبلتين، هي الكعبة وبيت المقدس؛ لأنه إذا استقبل بيت المقدس بالمدينة استدبر الكعبة.
والدليل لقولنا: ما رواه خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا استقبال القبلة بالفروج. PageV01P341
فقال عكرمة: قالت عائشة -رضي الله عنها - ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة وأن يستدبروها، فقال النبي عليه السلام: «أو فعلوا ذلك؟»، وأمر بان تستقبل بمقعدته القبلة، وهذا PageV01P342
نص في موقع الخلاف؛ لأنه في البنيان، وهذا أمر منه عليه السلام ظاهر منتشر.
فإن قيل: إن خالد بن أبي الصلت لا يعرف.
قيل: هو معروف؛ لأن أحمد بن حنبل قال: خالد بن أبي الصلت حسن. PageV01P343
وروى سفيان الثوري، وخالد الحذاء عنه، فدل على معرفته.
وقد روى محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر أنه قال: ارتقيت ذات يوم على السطح، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته.
وروي عنه أنه قال: ارتقيت سطح حفصة -وهي أخته - إلى أن PageV01P344
قال: مستقبل القبلة، وكيف ما كان، فإن فعله عليه السلام ذلك يدل على الجواز؛ لأنه إن كان استقبل بيت المقدس فقد استدبر الكعبة؛ لأن من يستقبل بيت المقدس بالمدينة فهو مستدبر الكعبة، ومن يستقبل الكعبة بها فهو مستدبر لبيت المقدس.