بسم الله الرحمن الرحيم
باب القول في مأخذ العلم
اعلم أن مأخذ العلم من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة، والقياس، وهو الاعتبار.
فأما الكتاب، فمن قولك: كتبت الشيء. إذا جمعته، فسمي كتابا لما فيه جمع من الأنباء والقصص والأحكام.
وأما السنة فالسيرة؛ يقال: هو حسن السنة: إذا كان جميل السيرة.
والسنن: الطريق؛ يقال: خل عن سنن الطريق.
واستن الفرس، إذا جرى، وكل ذلك يدل على معنى واحد، يدل على أن السنة السيرة.
وأما الإجماع فمن قولنا: أجمع الناس على كذا، إذا أصفقوا. وأجمعوا أمرهم. إذا اتفقوا عليه. قال الله تعالى: (فأجمعوا أمركم PageV01P020
وشركاءكم). وليس الإجماع باجتماع الشخوص، ولكن باتفاق الأقاويل على الشيء، لأن اجتماع الأشخاص مما لا يكاد يكون.
وأما القياس ففعل القايس، وهو العرفان بمقدار الشيء، ورده إلى الذي يوازيه، ويساويه في القدر.
أخبرنا علي بن إبراهيم القطان، قال: أخبرنا المعداني، عن أبيه، قال: حدثنا معروف بن حسان، عن الليث، عن الخليل بن أحمد، قال: تقول العرب: قاس يقيس. إنما هو إذا عرف القدر، كقولك: خشبة قيس أصبع. وتقول: قس هذا الأمر بذا قياسا. والمقدار: المقياس، قال جرير: PageV01P021
عدوا الحصى ثم قيسوا بالمقاييس
أي: قدروا بالمقادير. وهذا صحيح، لأن رد الأشكال بعضها إلى بعض قياس، وتقدير الفروع بأصولها قياس.
وبعضهم سمى ذلك اعتبارا، وأصل الاعتبار من قولك: اعتبرت الرؤيا عبارة وعبرا. إذا تأولتها، وعبرت الدراهم، إذا عرفت وزنها.
وحدثنا عن الخليل، بالإسناد الذي ذكرنا آنفا، أن تعبير الدنانير وزنها دينارا دينارا. فإن يكن ذلك كما ذكرناه، فالاعتبار يعرف مقدار الفروع فرعا فرعا وردها إلى الأصل، كما أن الدنانير يجمعها الوزن. PageV01P022