ومن ذلك استغناؤهم بواحد عن اثن وباثنين عن واحدين وبستة عن ثلاثتين وبعشرة عن خمستين وبعشرين عن عشرتين ونحو ذلك. PageV01P272
باب في عكس التقدير
هذا موضع من العربية غريب. وذلك أن تعتقد في أمر من الأمور حكما ما وقتاما ثم تحور1 في ذلك الشيء عينه في وقت آخر فتعتقد فيه حكما آخر.
من ذلك الحكاية عن أبي عبيدة 2. وهو قوله: ما رأيت أطرف3 من أمر النحويين؛ يقولون: إن علامة التأنيث لا تدخل على علامة التأنيث وهم يقولون "علقاة " وقد قال العجاج:
فكر في علقي وفي مكور4
يريد أبو عبيدة أنه قال: "في علقي " فلم يصرف التأنيث ثم قالوا مع هذا "علقاة " أي فألحقوا تاء التأنيث ألفه. قال أبو عثمان 5: كان أبو عبيدة أجفى من أن يعرف هذا. وذلك أن من قال "علقاة " فالألف عنده للإلحاق بباب جعفر كألف "أرطى " فإذا نزع الهاء أحال اعتقاده الأول عما كان عليه وجعل الألف للتأنيث فيما بعد فيجعلها للإلحاق مع تاء التأنيث وللتأنيث إذا فقد التاء. ولهذا نظائر. هي قولهم 6: بهمي7 وبهماة وشكاعى8 وشكاعاة، وباقلى وباقلاة ونقاوى9، ونقاواة، PageV01P273
وسمانى1 وسماناة. ومثل ذلك من الممدود قولهم: طرفاء وطرفاءة وقصباء وقصباءة وحلفاء وحلفاءة وباقلاء وباقلاءة. فمن قال: "طرفاء " فالهمزة عنده للتأنيث ومن قال: "طرفاءة " فالتاء عنده للتأنيث وأما الهمزة على قوله فزيادة لغير التأنيث. وأقوى القولين فيها عندي أن تكون همزة مرتجلة غير منقلبة لأنها إذا كانت منقلبة في هذا المثال فإنها عن ألف التأنيث لا غير نحو صحراء وصلفاء2، وخبراء3، والحرشاء4. وقد يجوز أن تكون منقلبة عن حرف لغير الإلحاق فتكون -في الانقلاب لا في الإلحاق- كألف علباء وحرباء. وهذا مما يؤكد عندك حال الهاء ألا ترى أنها إذا لحقت اعتقدت فيما قبلها حكما ما فإن لم تلحق حار5 الحكم إلى غيره. ونحو6 منه قولهم: الصفنة7، والصفن، والرضاع8، والرضاعة وهو صفو الشيء وصفوته9، وله نظائر قد ذكرت ومنه البرك10، والبركة للصدر.
ومن ذلك قولنا: كان11 يقوم زيد ونحن نعتقد رفع "زيد " ب "كان " ويكون "يقوم " خبرا مقدما عليه. فإن قيل: ألا تعلم أن "كان " إنما تدخل على الكلام الذي كان قبلها PageV01P274
مبتدأ وخبرا, وأنت إذا قلت: يقوم زيد فإنما الكلام من فعل وفاعل فكيف ذلك فالجواب أنه لا يمتنع أن يعتقد مع "كان " في قولنا: كان يقوم زيد أن زيدا مرتفع ب "كان " , وأن "يقوم " مقدم عن موضعه فإذا حذفت "كان " زال الاتساع وتأخر الخبر الذي هو "يقوم " فصار بعد "زيد " كما أن ألف "علقاة " للإلحاق, فإذا حذفت الهاء استحال التقدير فصارت للتأنيث حتى قال:
فكر في علقى وفي مكور
على ذا تأوله أبو عثمان: ولم يحمله على أنهما لغتان. وأظنه إنما ذهب إلى ذلك لما رآه قد كثرت نظائره؛ نحو سمانى وسماناة وشكاعى وشكاعاة وبهمى وبهماة. فألف "بهمى " للتأنيث وألف "بهماة " زيادة لغير الإلحاق كألف قبعثرى وضبغطرى. ويجوز أن تكون للإلحاق بجخدب على قياس قول أبي الحسن الأخفش إلا أنه إلحاق اختص مع التأنيث ألا ترى أن أحدا لا ينون " بهمى" فعلى ذلك يكون الحكم على قولنا: كان يقوم زيد ونحن نعتقد أن زيدا مرفوع بكان.
ومن ذلك ما نعتقده في همزاء حمراء وصفراء ونحوهما أنهما1 للتأنيث، فإن ركبت الاسم مع آخر قبله، حرت2 عن ذلك الاستشعار والتقدير فيها واعتقدت غيره. وذلك أن تركب3 مع " حمراء " اسما قبلها فتجعلهما جميعا كاسم واحد فتصرف4 "حمراء " حينئذ. وذلك قولك: هذا دار حمراء ورأيت دار حمراء ومررت PageV01P275