باب في فرق 1 بين البدل 2 والعوض
3:
جماع ما في هذا أن البدل أشبه بالمبدل منه من العوض بالمعوض منه " وإنما يقع البدل في موضع المبدل منه والعوض لا يلزم فيه ذلك ألا تراك تقول في الألف من قام: إنها بدل من الواو التي هي عين الفعل ولا تقول فيها: إنها عوض منها وكذلك يقال في واو جون وياء مير: إنها بدل للتخفيف من همزة جؤن3 ومئر ولا تقول: إنها عوض منها. وكذلك تقول في لام غاز وداع: إنها بدل من الواو ولا تقول: إنها عوض منها. وتقول في العوض: إن التاء في عدة, وزنة عوض من فاء الفعل ولا تقول: إنها بدل من منها. فإن قلت: ذاك فما أقله! وهو تجوز في العبارة. وسنذكر لم ذلك. وتقول في ميم " اللهم": إنها عوض من " يا" في أوله ولا تقول: بدل. وتقول في تاء زنادقة: إنها عوض4 من ياء زناديق ولا تقول: بدل. وتقول في ياء "أينق ": إنها عوض من عين "أنوق " فيمن جعلها أيفل ومن جعلها عينا مقدمة مغيرة إلى الياء جعلها بدلا من الواو.
فالبدل أعم تصرفا من العوض. فكل عوض بدل وليس كل بدل عوضا. وينبغي أن تعلم أن العوض من لفظ " عوض " -وهو الدهر- ومعناه؛ قال الأعشى 5:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق6
والتقؤهما أن الدهر إنما هو مرور الليل والنهار وتصرم أجزائهما فكلما مضى جزء منه خلفه جزء آخر يكون عوضا منه. فالوقت الكائن الثاني غير الوقت الماضي الأول. فلهذا كان العوض أشد مخالفة للمعوض منه من البدل.
وقد ذكرت في موضع من كلامي مفرد اشتقاق أسماء الدهر والزمان وتقصيته هناك. وأتيت أيضا في كتابي الموسوم ب "التعاقب " على كثير من هذا الباب ونهجت الطريق إلى ما أذكره بما نبهت به عليه. PageV01P266
باب في 1 الاستغناء بالشيء عن الشيء:
قال سيبويه: واعلم2 أن العرب قد تستغني بالشيء "عن الشيء"3 حتى يصير المستغنى عنه مسقطا من كلامهم البتة.
فمن ذلك استغناؤهم بترك عن "ودع " و "وذر ". فأما قراءة بعضهم "ما ودعك ربك وما قلى " وقول أبي الأسود4 " حتى ودعه " فلغة شاذة وقد تقدم القول5 عليها. PageV01P267
ومن ذلك استغناؤهم بلمحة عن ملمحة وعليها كسرت ملامح وبشبه عن مشبه وعليه جاء مشابه وبليلة عن ليلاة وعليها جاءت ليال وعلى أن ابن الأعرابي قد أنشد:
في كل يوم ما وكل ليلاه ... حتى يقول كل راء إذ1 راه
يا ويحه من جمل ما أشقاه
وهذا شاذ لم يسمع إلا من هذه الجهة. وكذلك استغنوا بذكر عن مذكار أو مذكير وعليه جاء مذاكير. وكذلك استغنوا ب"أينق " عن أن يأتوا به والعين في موضعها فألزموه القلب أو الإبدال فلم يقولوا " أنوق" إلا في شيء شاذ حكاه الفراء. وكذلك1 استغنوا بقسي عن قووس فلم يأت إلا مقلوبا. ومن ذلك استغناؤهم بجمع القلة عن جمع الكثرة نحو قولهم أرجل لم يأتوا فيه بجمع الكثرة. وكذلك شسوع: لم يأتوا فيه بجمع القلة. وكذلك أيام: لم يستعملوا فيه جمع الكثرة. فأما جيران فقد أتوا فيه بمثال القلة أنشد الأصمعي:
مذمة الأجوار والحقوق3
وذكره أيضا ابن الأعرابي فيما أحسب. فأما دراهم, ودنانير, ونحو ذلك -من الرباعي وما ألحق به- فلا سبيل فيه إلى جمع القلة. وكذلك4 اليد التي هي العضو قالوا فيها أيد البتة. فأما أياد فتكسير أيد لا تكسير يد وعلى أن "أياد " أكثر ما تستعمل في النعم لا في الأعضاء. وقد جاءت أيضا فيها أنشد أبو الخطاب: