فتحة في موضع الجر, لأنه لا ينصرف.
وإن1 شئت كان تقديره " منون " كالقول الأول ثم قال: " أنتم "، أي أنتم المقصودون بهذا الاستثبات؛ كقوله 2:
أنت فانظر لأي حال تصير3 PageV01P133
إذا أراد: أنت1 الهالك.
وما يرد في هذه اللغة مما يضعف في القياس, ويقل في الاستعمال كثير جدا, وإن تقصيت بعضه طال, ولكن أضع لك منه ومن غيره من أغراض كلامهم ما تستدل به وتستغني ببعضه من كله بإذن الله وطوله. PageV01P134
باب في الاستحسان
1:
وجماعه أن علته ضعيفة غير مستحكمة إلا أن فيه ضربا من الاتساع والتصرف. من ذلك تركك الأخف إلى الأثقل من غير ضرورة نحو قولهم: الفتوى والبقوى والتقوى والشروى ونحو ذلك ألا ترى أنهم قلبوا الياء هنا PageV01P134
واوا من1 غير استحكام2 علة أكثر من أنهم أرادوا الفرق بين الاسم والصفة. وهذه ليست علة معتدة ألا تعلم كيف يشارك الاسم الصفة في أشياء كثيرة لا يوجبون على أنفسهم الفرق بينهما فيها. من ذلك قولهم في تكسير حسن: حسان فهذا كجبل وجبال وقالوا: فرس ورد3 وخيل ورد4 فهذا كسقف وسقف 4. وقالوا: رجل غفور وقوم غفر وفخور وفخر فهذا كعمود وعمد. وقالوا: جمل بازل وإبل بوازل وشغل شاغل وأشغال شواغل فهذا كغارب وغوارب وكاهل وكواهل. ولسنا ندفع أن يكونوا قد فصلوا بين الاسم والصفة في أشياء غير هذه إلا أن جميع ذلك إنما هو استحسان لا عن ضرورة علة وليس بجار مجرى رفع الفاعل ونصب المفعول ألا ترى أنه لو كان الفرق بينهما واجبا لجاء في جميع الباب؛ كما أن رفع الفاعل ونصب المفعول منقاد في جميع الباب.
فإن قلت: فقد قال الجعدي:
حتى لحقنا بهم تعدي فوارسنا ... كأننا رعن قف يرفع الآلا5 PageV01P135
فرفع المفعول ونصب الفاعل, قيل لو لم يحتمل1 هذا البيت إلا ما ذكرته لقد كان على سمت من القياس ومطرب2 متورد بين الناس؛ ألا ترى أنه على كل حال قد فرق فيه بين الفاعل والمفعول, وإن اختلفت جهتا الفرق. كيف ووجهه في أن يكون الفاعل فيه مرفوعا, والمفعول منصوبا قائم صحيح مقول به. وذلك أن رعن هذا القف لما رفعه الآل فرئي فيه, ظهر به الآل إلى مرآة العين ظهورا لولا هذا الرعن لم يبن للعين فيه3 بيانه إذا كان فيه؛ ألا تعلم أن الآل إذا برق للبصر رافعا شخصا كان أبدى للناظر إليه منه لو لم يلاق شخصا يزهاه فيزداد بالصورة التي حملها سفورا وفي مسرح الطرف تجليا وظهورا.
فإن قلت: فقد قال الأعشى:
إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا4
فجعل الآل هو الفاعل والشخص هو المفعول قيل ليس في هذا أكثر من أن هذا جائز وليس فيه دليل على أن غيره غير جائز؛ ألا ترى أنك إذا قلت ما جاءني غير زيد فإنما في هذا دليل على أن الذي هو غيره لم يأتك فأما زيد نفسه فلم تعرض للإخبار5 بإثبات مجيء له أو نفيه عنه فقد يجوز6 أن يكون قد جاء وأن يكون أيضا لم يجئ. PageV01P136
فإن قلت: فهل تجد لبيت الجعدي على تفسيرك الذي حكيته ورأيته نظيرا؟ قيل: لا ينكر وجود ذلك مع الاستقراء واعمل فيما بعد على أن لا نظير له, ألا تعلم أن القياس إذا أجاز شيئا وسمع ذلك الشيء عينه فقد ثبت1 قدمه, وأخذ من الصحة والقوة مأخذه, ثم لا يقدح فيه ألا يوجد له نظير لأن إيجاد النظير وإن كان مأنوسا به فليس في واجب النظر إيجاده؛ ألا ترى أن قولهم: في شنوءة شنئي لما قبله القياس لم يقدح فيه عدم نظيره نعم ولم يرض له أبو الحسن بهذا القدر من القوة حتى جعله أصلا يرد إليه ويحمل غيره عليه. وسنورد فيما بعد بابا لما يسوغه القياس وإن لم يرد به السماع بإذن الله وحوله.