ونحو من ذلك سواء اطراد التصرف في الأفعال؛ نحو قام، ويقوم، وقم، وما كان مثله. فإذا بالغوا وتناهوا منعوه التصرف، فقالوا: نعم الرجل، وبئس الغلام فلم يصرفوهما وجعلوا ترك التصرف في الفعل الذي هو أصله1 وأخص الكلام به أمارة للأمر الحادث له، وأن حكما من أحكام المبالغة قد2 طرأ عليه؛ كما تركوا لذلك أيضا تأنيثه دليلا عليه في نحو قولهم: نعم المرأة، وبئس الجارية.
فإن قلت: فما بالهم منعوا هذين الفعلين التصرف البتة، ولم يمنعوهما علم التأنيث البتة ألا تراك أيضا قد تقول: نعمت المرأة وبئست الجارية وأنت لا تصرف واحدا منهما على وجه؟
قيل: إنما حظروا عليهما ما هو أخص الأوصاف بهما -أعني التصرف- ليكون حظره عليهما أدل شيء على حدوث عائق3 لهما، وليست4 كذلك علامة التأنيث لأن الفعل لم يكن في القياس تأنيثه ألا تراه مفيدا للمصدر الدال على الجنس والجنس أسبق شيء إلى5 التذكير، وإنما دخل علم التأنيث في نحو قامت هند وانطلقت جمل لتأنيث فاعله ولو كان تأنيث الفعل لشيء يرجع إليه هو لا إلى فاعله لجاز قامت زيد وانطلقت جعفر فلأجل ذلك ما اعتزموا الدلالة على خروج هذين الفعلين إلى معنى المبالغة بترك تصرفهما الذي هو أقعد من غيره فيهما دون الاقتصار على ترك تأنيثهما إذ التأنيث فيهما ليس في الأصل مستحقا لهما ولا راجعا إليهما؛ وإنما هو مراعى به تأنيث فاعليهما6. ويؤكد ذلك عندك ما رواه الأصمعي عنهم من قوله: إذا فاق الشيء في بابه7 سموه خارجيا، وأنشد بيت طفيل الغنوي8:
وعارضتها رهوا على متتابع ... شديد القصيري خارجي محنب9
فقولهم في هذا المعنى: خارجي، واستعمالهم فيه لفظ خرج10، من أوثق ما يستدل له على هذا11 المعنى، وهو الغاية فيه12. فاعرفه واشدد يدك به13. PageV03P247
باب فيما يؤمنه علم العربية من الاعتقادات الدينية
اعلم أن هذا الباب من أشرف أبواب هذا الكتاب، وأن الانتفاع به ليس إلى غاية ولا وراءه من نهاية. وذلك أن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها وحاد1 عن الطريقة المثلى إليها فإنما استهواه "واستخف2 حلمه" ضعفه في هذه اللغة الكريمة الشريفة، التي خوطب الكافة بها، وعرضت عليها الجنة والنار من حواشيها وأحنائها3، وأصل اعتقاد التشبيه4 لله تعالى بخلقه منها، وجاز5 عليهم بها وعنها. وذلك أنهم لما سمعوا قول الله -سبحانه، وعلا عما يقول الجاهلون علوا كبيرا: {يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} 6 وقوله: "عز اسمه: {فأينما تولوا فثم وجه الله} 7 وقوله: {لما خلقت بيدي} 8 وقوله: PageV03P248
تعالى: {مما عملت أيدينا} 1 وقوله: {ويبقى وجه ربك} 2 وقوله، {ولتصنع على عيني} 3 وقوله: {والسماوات مطويات بيمينه} 4 ونحو ذلك من الآيات5 الجارية هذا المجرى وقوله6 في الحديث: "خلق الله آدم على صورته"، حتى ذهب بعض هؤلاء7 الجهال في قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق} 8 أنها ساق ربهم -ونعوذ9 بالله من ضعفة10 النظر، وفساد المعتبر- ولم يشكوا أن11 هذه أعضاء12 له، وإذا كانت أعضاء كان هو لا محالة جسما معضى13؛ على ما يشاهدون من خلقه، عز وجهه، وعلا قدره، وانحطت سوامى "الأقدار و"14 الأفكار دونه. ولو كان لهم أنس بهذه اللغة الشريفة15 أو تصرف فيها، أو مزاولة لها لحمتهم16 السعادة بها، ما أصارتهم الشقوة إليه، بالبعد عنها. وسنقول في هذا ونحوه ما يجب مثله. ولذلك ما قال17 رسول الله -صلى اله عليه وسلم- لرجل لحن: أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل، فسمي اللحن ضلالا وقال عليه السلام: "رحم 18 الله امرأ أصلح من لسانه"، وذلك لما "علمه -صلى الله عليه وسلم- مما يعقب"19 الجهل لذلك من ضد السداد، وزيغ الاعتقاد. PageV03P249