ونحو من ذلك قولهم: دعدعت بالغنم5 إذا قلت لها: داع داع6، وجهجهت بالإبل7 إذا قلت لها: جاه جاه8، فجرى9 دعدعت وجهجهت عندهم الآن مجرى قلقلت وصلصلت10 ولو راعيت أصولها وعملت11 على ملاحظة أوائل أحوالها، لكانت12 فلفلت؛ لأن الألف التي هي عين عند تجشم التمثيل في13 داع وجاه، قد حذفت ودعدعت وجهجهت. وقد كنت عملت14 كتاب الزجر عن ثابت بن محمد، وشرحت أحوال تصريف ألفاظه واشتقاقها فجاء منه شيء صالح وطريف. وإذا ضممته15 إلى هذا الفصل كثر به؛ وأنس بانضمامه إليه. PageV03P234
باب في الامتناع من نقض الغرض
اعلم أن هذا المعنى الذي تحامته العرب -أعني امتناعها من نقض أغراضها1- يشبه البداء2 الذي تروم اليهود إلزامنا إياه في نسخ الشرائع وامتناعهم منه إلا3 أن الذي رامته العرب من4 ذلك صحيح على السير، والذي ذهبوا هم إليه فاسد غير مستقيم. وذلك أن نسخ الشرائع ليس ببداء5 عندنا؛ لأنه ليس نهيا عما أمر الله تعالى به، وإنما هو6 نهى عن مثل ما أمر الله تعالى به في وقت آخر غير الوقت الذي كان -سبحانه- أمر بالأول فيه؛ ألا ترى أنه -عز اسمه- لو قال لهم: صوموا يوم كذا ثم نهاهم عن الصوم فيه فيما بعد لكان إنما نهاهم عن مثل ذلك الصوم، لا عنه نفسه. فهذا7 ليس بداء8. لكنه لو قال: صوموا يوم الجمعة ثم قال لهم قبل مضيه: لا تصوموه9 لكان -لعمري- بداء10 وتنقلا، والله -سبحانه- يجل عن هذا؛ لأن فيه انتكاثا، وتراجعا، واستدراكا، وتتبعا. فكذلك11 امتناع العرب من نقض أغارضها هو في الفساد12 مثل ما نزهنا القديم -سبحانه- عنه من البداء13.
فمن ذلك امتناعهم من ادغام الملحق؛ نحو جلبب14، وشملل، وشربب "ورمدد ومهدد"15 وذلك أنك إنما16 أردت بالزيادة والتكثير17 البلوغ إلى مثال معلوم، فلوا ادغمت PageV03P235
في نحو شربب فقلت: شرب لا تنقض غرضك الذي اعتزمته: من مقابلة الساكن بالساكن والمتحرك بالمتحرك فأدى ذلك إلى ضد ما اعتزمته ونقض ما رمته. فاحتمل التقاء المثلين متحركين لما ذكرنا من حراسة هذا الموضع وحفظه.
ومن ذلك امتناعهم من تعريف الفعل. وذلك أنه إنما الغرض فيه إفادته فلابد من1 أن يكون منكورا لا يسوغ تعريفه2؛ لأنه لو كان معرفة لما كان مستفادا لأن المعروف قد غنى بتعريفه عن اجتلابه3 ليفاد من جملة الكلام. ولذلك قال أصحابنا: اعلم أن حكم الجزء المستفاد من الجملة أن يكون منكورا، والمفاد هو الفعل لا الفاعل. ولذلك4 لو أخبر بما لا شك فيه لعجب منه وهزئ "من قوله"5. فلما كان كذلك لم يجز تعريف ما وضعه على التنكير؛ ألا تراه يجرى وصفا على النكرة وذلك6 نحو مررت برجل يقرأ، فهذا كقولك: قارئ، ولو كان معرفة لاستحال جريه وصفا على النكرة.
ومن ذلك امتناعهم من إلحاق "من" بأفعل7 إذا عرفته باللام؛ نحو الأحسن منه8، والأطول منه. وذلك أن "من" -لعمري-9 تكسب ما يتصل به: من أفعل هذا10 تخصيصا ما، ألا تراك لو قلت: دخلت البصرة فرأيت أفضل من ابن سيرين لم يسبق PageV03P236
الوهم إلا إلى الحسن رضي الله عنه "فبمن ما صحت لك"1 هذه الفائدة، وإذا قلت: الأحسن أو الأفضل أو نحو ذلك فقد استوعبت اللام من التعريف أكثر مما تفيده "من" حصتها من التخصيص، فكرهوا أن يتراجعوا بعد ما حكموا به من قوة التعريف إلى الاعتراف بضعفه، إذا هم أتبعوه من الدالة2 على حاجته إليها، وإلى قد ما تفيده: من التخصيص المفاد منه.