ومن ذلك ست, أصلها سدس, فلما كثرت في الكلام أبدلوا السين تاء كقولهم. النات في الناس, ونحوه فصارت سدت. " فما تقارب الحرفان في مخرجيهما أبدلت الدال تاء, وأدغمت في التاء فصارت ست"5. ولو بدأت6 هذا الإبدال عاريا من تلك الصنعة لكان استطالة على الحرفين وهتكا للحرمتين.
فاعرف بهذا النحو هذه الطريق ولا تقدمن على أمر من التغيير إلا7 لعذر فيه, وتأت له ما استطعت. فإن لم تجن8 على الأقوى كانت جنايتك على الأضعف لتتطرق9 به إلى10 إعلال الأقوى أعذر وأولى. فأبه11 له وقس عليه. PageV02P474
فأما قوله 1:
أو إلفا مكة من ورق الحمى
فلم تكن الكسرة لتقلب الميم ياء, ألا تراك تقول: تظنيت وتقصيت, والفتحة هناك لكنه كسر للقافية.
ومن ذلك مذهب أبي الحسن في قول الله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} 2 لأنه ذهب إلى أنه حذف حرف الجر فصار تجزيه, ثم حذف الضمير فصار تجزى. فهذا ملاطفة "من الصنعة"3. ومذهب سيبويه أنه حذف "فيه" دفعة واحدة. PageV02P475
باب في التجريد
اعلم أن هذا فصل من فصول العربية طريف حسن, ورأيت أبا علي -رحمه الله- به غريا1 معنيا، ولم "يفرد له"2 بابا, لكنه وسمه في بعض ألفاظه بهذه السمة، فاستقريتها3 منه وأنقت لها. ومعناه أن "العرب قد تعتقد"4 أن5 PageV02P475
في الشيء من نفسه معنى آخر, كأنه حقيقته ومحصوله. وقد يجري1 ذلك إلى ألفاظها لما عقدت عليه معانيها. وذلك نحو قولهم: لئن لقيت زيدا2 لتلقين منه الأسد, ولئن سألته لتسئلن منه البحر. فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسدا وبحرا, وهو عينه هو الأسد والبحر "لا3 أن" هناك شيئا منفصلا عنه وممتازا منه.
وعلى هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه، حتى كأنها تقابله أو4 تخاطبه.
ومنه قول الأعشى:
وهل تطيق وداعا أيها الرجل5
وهو الرجل نفسه لا غيره, وعليه قراءة من قرأ: "قال اعلم أن الله على كل شيء قدير"6 أي: اعلم أيها الإنسان, وهو نفسه7 الإنسان, وقال تعالى: {لهم فيها دار الخلد} 8 وهي نفسها "دار الخلد"9.
وقال الأعشى:
لات هنا ذكرى جبيرة أم من ... جاء منها بطائف الأهوال10
وهي نفسها الجائية بطائف الأهوال. PageV02P476
وقد تستعمل الباء هنا فتقول: لقيت به الأسد, وجاورت به البحر, أي: لقيت بلقائي إياه الأسد. ومنه مسألة1 الكتاب: أما أبوك فلك أب, أي: لك منه أو به أو2 بمكانه أب3. وأنشدنا:
أفاءت بنو مروان ظلما دماءنا ... وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل4
وهذا غاية البيان والكشف, ألا ترى أنه لا يجوز أن يعتقد أن الله سبحانه ظرف لشيء ولا متضمن له، فهو إذا على حذف المضاف، أي: في عدل الله عدل حكم عدل.
" وأنشدنا:
بنزوة لص بعد ما مر مصعب ... بأشعت لا يفلى ولا يقمل5
ومصعب نفسه هو الأشعت"6. وأنشدنا:
جازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر7
وهي نفسها اليعفور, ولعيه جاء قوله:
يا نفس صبرا كل حي لاق ... وكل اثنين إلى افتراق PageV02P477
وقول الآخر 1:
قالت له النفس إني لا أرى طمعا ... وإن مولاك لم يسلم ولم يصد
وقول الآخر 2:
أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد
وأما3 قوله -عز اسمه: {يا أيتها النفس المطمئنة} 4 فليس من ذا، بل النفس هنا جنس, وهو5 كقوله تعالى: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} 6 ونحوه7. وقد دعا تردد هذا الموضع على الأسماع، ومحادثته8 الأفهام9، أن ذهب قوم10 إلى أن الإنسان هو معنى ملتبس بهذا الهيكل الذي يراه11، ملاق له, وهذا الظاهر مماس لذلك الباطن, كل جزء منه منطو عليه ومحيط به. PageV02P478