فهذا طرف من القول على ما يراجع من الأصول للضرورة مما يرفض فلا يراجع. فاعرفه وتنبه على أمثاله فإنه كثيرة. PageV02P354
باب في مراعاتهم الأصول تارة وإهمالهم إياها أخرى
...
باب في مراعاتهم الأصول للضرورة تارة, وإهمالهم إياها أخرى:
فمن الأول قولهم: صغت الخاتم, وحكت الثوب ونحو ذلك. وذلك أن فعلت هنا عديت, فلولا أن أصل هذا فعلت -بفتح العين- لما جاز أن تعمل فعلت. ومن ذلك بيت الكتاب:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح1
ألا ترى أن أول البيت مبني على اطراح ذكر الفاعل, وأن آخره قد عوود فيه "الحديث عن الفاعل"2 لأن3 تقديره فيما بعد: ليبكه مختبط مما تطيح الطوائح. فدل قوله: ليبك, على ما أراده من قوله: ليبكه. ونحوه قوله الله تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا} 4، {وخلق الإنسان ضعيفا} 5، هذا مع قوله سبحانه: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق} 6 وقوله عز وجل: {خلق الإنسان، علمه البيان} 7 وأمثاله كثيرة. ونحو من البيت قول الله تعالى: "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال"8 أي: يسبح له فيها رجال.
ومن الأصول المراعاة قولهم: مررت برجل ضارب زيد وعمرا, وليس زيد بقائم ولا قاعدا و {إنا منجوك وأهلك} 9 وإذا جاز أن تراعى الفروع نحو قوله 10:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا PageV02P355
وقوله 1:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
كانت مراجعة2 الأصول أولى وأجدر.
ومن ضد ذلك: هذان ضارباك, ألا ترى أنك لو اعتددت بالنون المحذوفة لكنت كأنك قد جمعت بين الزيادتين المعتقبتين في آخر الاسم3. وعلى هذا القياس4 أكثر الكلام: أن5 يعامل الحاضر فيغلب حكمه لحضوره على الغائب لمغيبه, وهو شاهد لقوة إعمال الثاني من الفعلين لقوته وغلبته على إعمال الأول لبعده. ومن ذلك قوله 6:
وما كل من وافى منى أنا عارف7
فيمن نون أو أطلق مع رفع "كل". ووجه ذلك أنه إذا رفع كلا فلا بد من تقديره الهاء ليعود على المبتدأ من خبره ضمير, وكل واحد من التنوين في "عارف" ومدة الإطلاق في "عارفو" ينافي اجتماعه مع الهاء المرادة المقدرة, ألا ترى أنك لو جمعت بينهما فقلت: عارفنه أو عارفوه لم يجز شيء من ذينك. وإنما هذا لمعاملة الحاضر واطراح حكم الغائب. فاعرفه وقسه فإنه باب واسع. PageV02P356