باب فيما يراجع من الأصول مما لا يراجع
اعلم أن الأصول المنصرف عنها إلى الفروع على ضربين: أحدهما ما إذا احتيج إليه جاز أن يراجع. والآخر ما لا تمكن مراجعته؛ لأن العرب انصرفت عنه فلم تستعمله.
الأول منهما: الصرف الذي يفارق الاسم لمشابهته الفعل من وجهين, فمتى احتجت إلى صرفه جاز أن تراجعه فتصرفه, وذلك كقوله1:
فلتأتينك قصائد وليدفعا ... جيشا إليك قوادم الأكوار2
وهو باب واسع.
ومنه إجراء المعتل مجرى الصحيح؛ نحو قوله 3:
لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطلب
وبقية الباب.
ومنه إظهار التضعيف؛ كلححت4 عينه, وضبب البلد, وألل السقاء, وقوله:
الحمد لله العلي الأجلل
وبقية الباب. PageV02P349
ومنه قوله:
سماء الإله فوق سبع سمائيا1
ومنه2 قوله:
أهبني3 التراب فوقه إهبايا
وهو كثير.
الثاني 4 منهما: وهو ما لا يراجع من الأصول عند الضرورة, وذلك كالثلاثي المعتل العين نحو: قام وباع وخاف وهاب وطال, فهذا مما لا يراجع أصله أبدا, ألا ترى أنه لم يأت عنهم5 في نثر ولا نظم شيء منه مصححا, نحو: قوم ولا بيع ولا خوف ولا هيب ولا طول, وكذلك مضارعه نحو: يقوم ويبيع ويخاف ويهاب ويطول. فأما ما حكاه بعض الكوفيين من قولهم: هيؤ الرجل من الهيئة, فوجهه أنه خرج مخرج المبالغة, فلحق بباب قولهم: قضوا الرجل إذا جاد قضاؤه, ورمو إذا جاد رميه. فكما6 بني فعل مما لامه ياء كذلك خرج هذا على أصله في فعل مما عينه ياء. وعلتهما جميعا أن هذا بناء لا يتصرف7 لمضارعته -بما فيه من المبالغة- لباب التعجب ولنعم وبئس. فلما لم يتصرف7 احتملوا فيه خروجه في هذا الموضع مخالفا للباب, ألا تراهم إنما تحاموا أن يبنوا فعل مما عينه ياء مخافة انتقالهم من الأثقل إلى ما هو أثقل منه؛ لأنه كان يلزمهم أن يقولوا: بعت أبوع, وهو يبوع, ونحن نبوع، وأنت -أو هي- تبوع، وبوعا وبوعوا وبوعي, وهما يبوعان, وهم يبوعون, ونحو ذلك. وكذلك لو جاء فعل مما لامه ياء متصرفا للزم أن يقولوا: رموت ورموت, وأنا أرمو, ونحن نرمو, وأنت ترمو, وهو يرمو, وهم يرمون, وأنتما ترموان, وهن يرمون, ونحو ذلك, فيكثر قلب الياء واوا، وهو8 أثقل من الياء. PageV02P350
فأما قولهم: لرمو الرجل فإنه لا يصرف ولا يفارق موضعه هذا, كما لا يتصرف نعم وبئس, فاحتمل ذلك1 فيه لجموده عليه, وأمنهم تعديه إلى غيره. وكذلك احتمل هيؤ الرجل ولم يعل؛ لأنه لا يتصرف لمضارعته بالمبالغة فيه باب التعجب ونعم وبئس, ولو صرف للزم إعلاله وأن يقال 2: هاء يهوء وأهوء وتهوء ونهوء, وهما يهوءان, وهم يهوءون, ونحو ذلك, فلما لم يتصرف لحق بصحة الأسماء, فكما صح نحو: القود والحوكة والصيد والغيب, كذلك صح هيؤ الرجل -فاعرفه3- كما صح ما أطوله وما4 أبيعه, ونحو ذلك.
ومما لا يراجع من الأصول باب افتعل إذا كانت فاؤه صادا أو ضادا أو طاء أو ظاء, فإن تاءه تبدل5 طاء نحو: اصطبر واضطرب6 واطرد واظطلم7. وكذلك إن كانت فاؤه دالا أو "ذالا"8 أو زايا, فإن تاءه تبدل دالا. وذلك نحو قولك8: أدلج وادكر وازدان, فلا9 يجوز خروج هذه التاء على أصلها. ولم يأت ذلك في نثر ولا نظم. فأما ما حكاه خلف -فيما أخبرنا به أبو علي- من قول10 بعضهم: التقطت النوى واشتقطته واضتقطته, فقد يجوز أن تكون الضاد بدلا من الشين في اشتقطته. نعم ويجوز أن تكون بدلا من اللام في التقطته, فيترك إبدال التاء طاء مع الضاد ليكون ذلك إيذانا بأنها بدل من اللام أو الشين, فتصح التاء مع الضاد, كما صحت مع ما الضاد بدل منه. ونظير ذلك قول بعضهم 11: PageV02P351