باب في تصاقب 1 الألفاظ لتصاقب المعاني:
هذا غور من العربية لا ينتصف2 منه ولا يكاد يحاط به. وأكثر كلام العرب عليه وإن كان غفلا مسهوا عنه, وهو على أضرب:
منها اقتراب الأصلين الثلاثيين؛ كضياط وضيطار, ولوقة وألوقة, ورخو ورخود, وينجوج وألنجوج. وقد مضى3 ذكر ذلك. PageV02P147
ومنها اقتراب الأصلين ثلاثيا أحدهما ورباعيا صاحبه, أو رباعيا أحدهما وخماسيا صاحبه؛ كدمث ودمثر, وسبط وسبطر, ولؤلؤ ولآل, والضبغطى والضبغطري. ومنه قوله:
قد دردبت والشيخ دردبيس ... وقد مضى1 هذا أيضا2
ومنها التقديم والتأخير على ما قلنا في الباب الذي قبل هذا في تقليب الأصول نحو: "ك ل م " و"ك م ل " و"م ك ل " ونحو ذلك. وهذا كله والحروف واحدة غير متجاورة3. لكن من وراء هذا ضرب غيره وهو أن تتقارب الحروف لتقارب المعاني, وهذا باب واسع.
من ذلك قول الله سبحانه: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} 4 أي: تزعجهم وتقلقهم, فهذا في معنى تهزهم هزا, والهمزة أخت الهاء, فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين. وكأنهم5 خصوا هذا المعنى بالهمزة لأنها أقوى من الهاء, وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهز؛ لأنك قد تهز ما لا بال له كالجذع وساق الشجرة, ونحو ذلك.
" ومنه العسف6 والأسف, والعين أخت الهمزة, كما أن الأسف يعسف7 النفس وينال منها, والهمزة أقوى من العين, كما أن أسف النفس أغلظ من "التردد"8 بالعسف. فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين"9. PageV02P148
ومنه القرمة وهي الفقرة تحز على أنف البعير. وقريب منه قلمت أظفاري؛ لأن هذا انتقاص للظفر وذلك انتقاص للجلد. فالراء أخت اللام والعملان متقاربان. وعليه قالوا فيها: الجرفة وهي من "ج ر ف " وهي أخت جلفت لقلم إذا أخذت جلفته, وهذا من "ج ل ف "؛ وقريب منه الجنف وهو الميل, وإذا جلفت الشيء أو جرفته فقد أملته عما كان عليه, وهذا من "ج ن ف ".
ومثله تركيب "ع ل م " في العلامة والعلم, وقالوا مع ذلك: بيضة عرماء وقطيع أعرم إذا كان فيهما سواد وبياض, وإذا وقع ذلك بأن أحد اللونين من صاحبه، فكان كل واحد منهما علما لصاحبه. وهو من "ع ر م", قال أبو وجزة السعدي:
ما زلن ينسبن وهنا كل صادقة ... باتت تباشر عرما غير أزواج1
حتى سلكن الشوى منهن في مسك ... من نسل جوابة الآفاق مهداج
ومن ذلك تركيب "ح م س " و "ح ب س ", قالوا: حبست الشيء, وحمس الشر إذا اشتد, والتقاؤهما أن الشيئين إذا حبس أحدهما صاحبه تمانعا وتعازا, فكان ذلك كالشر يقع بينهما. PageV02P149
ومنه العلب: الأثر والعلم: الشق في الشفة العليا. فذاك من "ع ل ب ", وهذا من "ع ل م ", والباء أخت الميم, قال طرفة:
كأن علوب النسع في دأياتها ... موارد من خلقاء في ظهر قردد1
ومنه تركيب "ق ر د " و "ق ر ت ", قالوا للأرض: قردد, وتلك2 نباك تكون في الأرض, فهو من قرد الشيء وتقرد إذا تجمع, أنشدنا أبو علي 3:
أهوى لها مشقص حشر فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا4
"أي: أسمي الإثمد القرد أذى لها. يعنى عينه"5 وقالوا: قرت الدم عليه, أي: جمد, والتاء أخت الدال كما ترى. فأما لم خص هذا المعنى بذا الحرف فسنذكره في باب يلي هذا بعون الله تعالى.
ومن ذلك العلز: خفة وطيش وقلق يعرض للإنسان, وقالوا: "العلوص" لوجع في الجوف يلتوي له الإنسان6 ويفلق منه. فذاك من "ع ل ز", وهذا من "ع ل ص", والزاى أخت الصاد. PageV02P150