ومن ذلك تراكيب "ق س و " "ق وس " "وق س " "وس ق " "س وق "3 وأهمل " س ق و " , وجميع ذلك إلى القوة والاجتماع. منها: "القسوة" وهي شدة القلب واجتماعه, ألا ترى إلى قوله:
يا ليت شعري -والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع4
أي: قوى مجتمع5، ومنها "القوس" لشدتها، واجتماع طرفيها, ومنها "الوقس" لابتداء الجرب، وذلك لأنه يجمع الجلد ويقحله6، ومنها "الوسق" للحمل، وذلك لاجتماعه وشدته, ومنه استوسق الأمر أي اجتمع {والليل وما وسق} 7 أي: جمع، PageV02P138
ومنها "السوق"، وذلك لأنه استحثاث وجمع للمسوق بعضه؛ وعليه قال1:
مستوسقات لو يجدن سائقا2
فهذا كقولك:
مجتمعات لو يجدن جامعا
فإن شد شيء من شعب هذه الأصول عن عقده ظاهرا رد بالتأويل إليه, وعطف بالملاطفة عليه. بل إذا كان هذا قد3 يعرض في الأصل الواحد حتى يحتاج فيه إلى ما قلناه, كان فيما انتشرت أصوله بالتقديم والتأخير أولى باحتمال وأجدر بالتأول له.
ومن ذلك تقليب "س م ل " "س ل م " "م س ل " "م ل س " "ل م س " "ل س م " والمعنى الجامع لها المشتمل عليها الإصحاب والملاينة, ومنها الثوب السمل وهو الخلق. وذلك لأنه ليس عليه من الوبر والزئبر ما على الجديد. فاليد إذا مرت عليه للمس لم يستوقفها عنه جدة4 المنسج ولا خشنة الملمس. والسمل: الماء القليل؛ كأنه شيء قد أخلق وضعف عن قوة المضطرب, وجمة المرتكض, ولذلك قال:
حوضا كأن ماءه إذا عسل ... من آخر الليل رويزي سمل5
وقال آخر:
وراد أسمال المياه السدم ... في أخريات الغبش المغم6 PageV02P139
ومنها السلامة. وذلك أن السليم ليس فيه عيب تقف النفس عليه, ولا يعترض عليها به. ومنها "المسل و"1 المسل والمسيل كله واحد, وذلك أن الماء لا يجري إلا في مذهب له, وإمام منقاد به, ولو صادف حاجزا2 لإعتاقه فلم يجد متسربا معه. ومنها الأملس والملساء. وذلك أنه لا اعتراض على الناظر فيه والمتصفح له. ومنها اللمس, وذلك أنه إن عارض اليد شيء حائل بينها وبين الملموس لم يصح هناك لمس؛ فإنما هو3 إهواء باليد نحوه, ووصول منها إليه, لا حاجز ولا مانع, ولا بد مع اللمس من إمرار اليد وتحريكها على الملموس, ولو كان هناك حائل لاستوقفت به عنه. ومنه الملامسة {أو لامستم النساء} 4 أي: جامعتم، وذلك أنه لا بد هناك من حركات واعتمال, وهذا واضح. فأما "ل س م " فمهمل, وعلى أنهم قد قالوا: نسمت الريح إذا مرت مرا سهلا ضعيفا, والنون أخت اللام, وسترى نحو ذلك.
" ومر بنا أيضا ألسمت الرجل حجته إذا لقنته وألزمته إياها. قال:
لا تلسمن أبا عمران حجته ... ولا تكونن له عونا على عمرا5
فهذا من ذلك, أي: سهلتها وأوضحتها"6.
واعلم أنا لا ندعي أن هذا مستمر في جميع اللغة, كما لا ندعي للاشتقاق الأصغر أنه في جميع اللغة. بل إذا كان ذلك "الذي هو"7 في القسمة سدس هذا أو خمسه متعذرا صعبا, كان تطبيق هذا وإحاطته أصعب مذهبا وأعز ملتمسا8. بل لو صح PageV02P140
من هذا النحو, وهذه الصنعة المادة الواحدة تتقلب على ضروب التقلب كان غريبا معجبا. فكيف به وهو يكاد يساوق الاشتقاق الأصغر ويجاريه إلى المدى الأبعد.
وقد رسمت لك منه رسما فاحتذه1، وتقيله2 تحظ به، وتكثر إعظام هذه اللغة الكريمة من أجله. نعم, وتسترفده في بعض الحاجة إليه فيعينك ويأخذ بيديك, ألا ترى أن أبا علي -رحمه الله- كان يقوي كون لام "أثفية" فيمن جعلها "أفعولة" واوا بقولهم: جاء يثفه, ويقول: "هذا"3 من الواو لا محالة كيعده. فيرجح4 بذلك الواو على الياء التي ساوقتها في يثفوه ويثفيه, أفلا تراه كيف استعان على لام ثفا بفاء وثف. وإنما ذلك لأنها مادة واحدة شكلت على صور مختلفة, فكأنها لفظة واحدة. وقلت مرة للمتنبئ: أراك تستعمل في شعرك ذا وتا وذي كثيرا, ففكر شيئا ثم قال: إن هذا الشعر لم يعمل كله في وقت واحد. فقلت له: أجل لكن5 المادة واحدة. فأمسك البتة. والشيء يذكر لنظيره, فإن المعاني وإن اختلفت معنياتها آوية إلى مضجع غير مقض, وآخذ بعضها برقاب بعض. PageV02P141