لاث به الأشاء والعبري10 PageV02P131
فأما خائل مال ففاعل لا محالة. وكلاهما من قوله 1: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتخولنا بالموعظة, أي: يتعهدنا بها شيئا فشيئا2 ويراعينا. قال أبو علي: هو من قولهم: تساقطوا3 أخول أخول, أي: شيئا بعد شيء. وأنشدنا 4:
يساقط عنه روقه ضارياتها ... سقاط حديد القين أخول أخولا5
فكأن هذا الرجل يرعى ماله ويتعهده حفظا له وشحا عليه.
وأما صدى مال: فإنه يعارضها من ههنا وههنا ولا يهملها ولا يضيع أمرها -ومنه الصدى لما يعارض الصوت, ومنه قراءة الحسن -رضي الله عنه "صاد والقرآن", وكان يفسره: عارض القرآن بعملك, أي: قابل كل واحد منهما بصاحبه- "قال العجلي:
يأتي لها من أيمن وأشمل6
وكذلك سرسور مال, أي: عارف بأسرار المال فلا يخفى عنه شيء من أمره. ولست أقول كما يقول الكوفيون -وأبو بكر معهم: إن سرسورا من لفظ السر, لكنه قريب من لفظه, ومعناه بمنزلة عين ثرة وثرثارة. وقد تقدم7 ذكر ذلك. PageV02P132
وكذلك سوبان مال هو "فعلان" من السأب, وهو الزق للشراب, قال الشاعر:
إذا ذقت فاها قلت علق مدمس ... أريد به قيل فغودر في ساب1
والتقاؤهما أن الزق إنما وضع لحفظ ما فيه, فكذلك هذا الراعي يحفظ المال ويحتاط عليه احتياط الزق على ما فيه.
وكذلك محجن مال: هو "مفعل" من احتجنت الشيء إذا حفظته وادخرته.
وكذلك إزاء مال: هو "فعال" من أزى الشيء يأزي, إذا تقبض2 واجتمع, قال:
ظل لها يوم من الشعرى أزي3
أي: يغم الأنفاس ويضيقها لشدة الحر. وكذلك هذا الراعي يشح عليها ويمنع من تسربها. وأنشد أبو علي عن أبي بكر لعمارة:
هذا الزمان مول خيره أزي ... صارت رءوس به أذناب أعجاز
وكذلك بلو مال، أي: هو بمعرفته به قد بلاه واختبره, قال الله سبحانه: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} 4 قال عمر بن لجأ:
فصادفت أعصل من أبلائها ... يعجبه النزع على ظمائها5 PageV02P133
وكذلك حبل مال, كأنه يضبطها كما يضبطها الحبل يشد به. ومنه الحبل: الداهية من الرجال؛ لأنه يضبط الأمور ويحيط بها.
وكذلك عسل1 مال؛ لأنه يأتيها ويعسل2 إليها من كل مكان, ومنه الذئب العسول, ألا ترى أنه إنما سمي3 ذئبا لتذاؤبه وخبثه ومجيئه تارة من هنا ومرة4 من هنا.
وكذلك زر مال: أي يجمعه ويضبطه كما يضبط الزر "الشيء"5 المزرور.
فهذه الأصول وهذه الصيغ على اختلاف الجميع مرتمية إلى موضع واحد على ما ترى.
ومن ذلك قولهم للدم: الجدية والبصيرة. فالدم من الدمية لفظا ومعنى, وذلك أن الدمية إنما هي للعين6 والبصر, وإذا شوهدت فكأن ما هي صورته مشاهد بها, وغير غائب مع حضورها, فهي تصف حال ما بعد عنك. وهذا هو الغرض في هذه الصور المرسومة للمشاهدة. وتلك عندهم حال الدم؛ ألا ترى أن الرمية إذا غابت عن الرامي استدل عليها بدمها, فاتبعه7 حتى يؤديه إليها. ويؤكد ذلك لك قولهم فيه "البصيرة", وذلك أنها "إذا"8 أبصرت أدت إلى المرمي الجريح. ولذلك أيضا قالوا له "الجدية"؛ لأنه يجدي على الطالب للرمية ما يبغيه منها9. ولو لم ير الدم لم يستدلل عليها, ولا عرف موضعها, قال صلى الله عليه وسلم "كل ما أصميت ودع ما أنميت"10. PageV02P134
وهذا1 مذهب في هذه اللغة طريف غريب لطيف2. وهو فقهها3، وجامع معانيها وضام نشرها4. وقد هممث غير دفعة أن أنشئ في ذلك كتابا أتقصى فيه أكثرها, والوقت يضيق دونه. ولعله لو خرج لما أقنعه ألف ورقة إلا على اختصار5 وإيماء. وكان أبو علي -رحمه الله- يستحسن هذا الموضع جدا وينبه عليه, ويسر بما يحضره خاطره منه. هذا باب إنما يجمع بين بعضه وبعض من طريق المعاني مجردة من الألفاظ, وليس كالاشتقاق الذي هو من لفظ واحد, فكأن بعضه منبهة على بعض. وهذا إنما يعتنق فيه الفكر المعاني غير منبهته6 عليها الألفاظ, فهو أشرف الصنعتين7، وأعلى المأخذين. فتفطن له، وتأن8 لجمعه؛ فإنه يؤنقك ويفيء عليك, ويبسط ما تجعد من خاطرك, ويريك من حكم الباري -عز اسمه ما تقف تحته وتسلم لعظم الصنعة فيه, وما أودعته أحضانه ونواحيه. PageV02P135