باب في الأصلين "يتقاربان في التركيب بالتقديم والتأخير"
1:
اعلم أن كل لفظين وجد فيهما تقديم وتأخير فأمكن أن يكونا جميعا2 أصلين ليس أحدهما مقلوبا عن صابحه فهو3 القياس الذي لا يجوز غيره, وإن لم يمكن ذلك حكمت بأن4 أحدهما مقلوب عن صاحبه, ثم أريت أيهما الأصل وأيهما الفرع. وسنذكر وجوه ذلك.
فمما تركيباه أصلان لا قلب فيهما قولهم5: جذب وجبذ, ليس أحدهما PageV02P071
مقلوبا عن صاحبه. وذلك أنهما جميعا يتصرفان تصرفا واحدا نحو: جذب يجذب جذبا فهو جاذب, والمفعول مجذوب, وجبذ يجبذ جبذا فهو جابذ والمفعول مجبوذ. فإن جعلت مع هذا أحدهما أصلا لصاحبه فسد ذلك؛ لأنك لو فعلته لم يكن أحدهما أسعد بهذه الحال من الآخر. فإذا وقفت الحال بينهما1 ولم يؤثر2 بالمزية أحدهما وجب أن يتوازيا3, وأن يمثلا بصفحتيهما معا. وكذلك ما هذه سبيله.
فإن قصر4 أجدهما عن تصرف صاحبه ولم5 يساوه فيه كان أوسعهما تصرفا أصلا لصاحبه. وذلك كقولهم: أنى الشيء يأني وآن يئين, فآن مقلوب عن أنى, والدليل على ذلك وجودك مصدر أنى يأنى وهو الإنى, ولا تجد لآن مصدرا, كذا قال الأصمعي. فأما الأين فليس من هذا في شيء, إنما الأين: الإعياء والتعب. فلما عدم من "آن" المصدر الذي هو أصل للفعل, علم أنه مقلوب عن أنى يأنى إنى, قال الله تعالى: {إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه} 6 أي: بلوغه وإدراكه. قال أبو علي: ومنه سموا الإناء؛ لأنه لا يستعمل إلا بعد بلوغه حظه من خرزه أو صياغته أو نجارته أو نحو ذلك. غير أن أبا زيد قد حكى لآن مصدرا وهو الأين. فإن كان الأمر كذلك فهما إذا أصلان متساويان7 وليس أحدهما أصلا لصاحبه.
ومثل ذلك "في القلب"8 قولهم: "أيست من كذا" فهو مقلوب9 من "يئست" لأمرين, ذكر أبو علي أحدهما وهو ما ذهب إليه من أن "أيست" لا مصدر له، PageV02P072
وإنما المصدر "ليئست" وهو اليأس واليآسة. قال: فأما قولهم في اسم الرجل "إياس" فليس مصدرا لأيست, ولا هو أيضا من لفظه, وإنما هو مصدر "أست الرجل"1 أؤوسه إياسا سموه به كما سموه عطاء تفاؤلا بالعطية. ومثل ذلك عندي تسميتهم إياه "عياضا", وإنما هو مصدر عضته, أي: أعطيته, قال:
عاضها الله غلاما بعد ما ... شابت الأصداغ والضرس نقد2
عطف3 جملة من مبتدأ وخبر على أخرى من فعل وفاعل, أعني: قوله: "والضرس نقد" أي: ونقد الضرس. وأما الآخر فعندي أنه لو لم يكن مقلوبا PageV02P073
لوجب إعلاله, وأن يقول: إست أآس, كهبت أهاب. فظهوره صحيحا يدل على أنه إنما صح؛ لأنه مقلوب عما تصح عينه وهو "يئست", لتكون الصحة دليلا على ذلك المعنى, كما كانت صحة "عور" دليلا على أنه في معنى ما لا بد من صحته وهو "أعور".
فأما تسميتهم الرجل "أوسا" فإنه يحتمل أمرين, أحدهما: أن يكون مصدر "أسته" أي: أعطيته كما سموه عطاء وعطية, والآخر: أن يكون سموه به كما سموه ذئبا. فأما ما أنشدناه1 من قول الآخر 2:
لي كل يوم من ذؤاله ... ضغث يزيد على إباله3
فلا حشأنك مشقصا ... أوسا أويس من الهباله4
ف"أوسا" منه ينتصب على المصدر بفعل دل عليه قوله: "لأحشأنك", فكأنه قال: "لأؤوسنك أوسا" كقول الله سبحان: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله} 5 لأن مرورها يدل على صنع الله, فكأنه قال: صنع الله ذلك صنعا, وأضاف المصدر إلى فاعله, كما لو ظهر الفعل الناصب لهذا المصدر لكان مسندا إلى اسم الله تعالى. وأما قوله "أويس" فنداء, أراد: يا أويس, يخاطب الذئب وهو اسم6 له مصغرا, كما أنه اسم6 له مكبر, قال: PageV02P074