العطر، وقطان من القطن، بل حية من لفظ "ح ي ي " من مضاعف الياء، وحواء من تركيب "ح وى " كشواء وطواء. ويدل على أن الحية من مضاعف الياء ما حكاه صاحب الكتاب1 من قولهم في الإضافة إلى حية بن بهدلة: حيوي. فظهور الياء عينا في حيوي قد علمنا منه كون العين ياء، وإذا كانت العين ياء واللام معتلة, فالكلمة من مضاعف الياء البتة, ألا ترى أنه ليس في كلامهم نحو حيوت. وهذا واضح. ولولا هذه الحكاية لوجب أن تكون الحية والحواء من لفظ2 واحد؛ لضربين من القياس: أما أحدهما فلأن فعالا في المعاناة3 إنما يأتي من لفظ المعاني3؛ نحو عطار من العطر, وعصاب من العصب. وأما الآخر فلأن ما عينه واو ولامه ياء أكثر مما عينه ولامه ياءان, ألا ترى أن باب طويت وشويت أكثر من باب حييت وعييت. وإذ كان الأمر كذلك علمت قوة السماع وغلبته للقياس, ألا ترى أن سماعا واحدا غلب قياسين اثنين.
نعم, وقد يعرض هذا التداخل في صنعة الشاعر فيرى أو يري أنه قد جنس4 وليس في الحقيقة تجنيسا وذلك كقول القطامي:
مستحقبين فؤادا ما له فاد5 PageV02P048
ففؤاد من لفظ "ف أد " وفاد من تركيب "ف د ى " , لكنهما لما تقاربا هذا التقارب دنوا من التجنيس. وعليه قول الحمصي 1:
وتسويف العدات من السوافي2
فظاهر هذا يكاد لا يشك أكثر الناس أنه مجنس, وليس هو كذلك. وذلك أن تركيب "تسويف" من "س وف " وتركيب السوافي من "س ف ي "3، لكن لما وجد في كل واحد من الكلمتين سين وفاء4 وواو, جرى في بادي السمع مجرى الجنس الواحد, وعليه قال الطائي الكبير:
ألحد حوى حية الملحدين ... ولدن ثرى حال دون الثراء 5
فيمن رواه6 هكذا "حوى حية الملحدين" أي: قاتل المشركين, وكذلك قال في آخر البيت أيضا:
ولدن ثرى حال دون الثراء PageV02P049
فجاء به مجيء التجنيس, وليس على الحقيقة تجنيسا صحيحا. وذلك أن التجنيس عندهم أن يتفق اللفظان ويختلف أو يتقارب المعنيان؛ كالعقل والمعقل والعقلة والعقيلة ومعقلة1. وعلى ذلك وضع أهل اللغة كتب الأجناس. وليس الثرى من لفظ الثراء على الحقيقة, وذلك أن الثرى -وهو الندى- من تركيب "ث ر ي " لقولهم: التقى3 الثريان. وأما الثراء -لكثرة المال- فمن تركيب "ث ر و "؛ لأنه من الثروة ومنه الثريا؛ لأنها من الثروة لكثرة كواكبها مع صغر مرآتها, فكأنها كثيرة العدد بالإضافة إلى ضيق المحل. ومنه قولهم: ثرونا بني فلان, نثروهم ثروة, إذا كنا أكثر منهم. فاللفظان -كما ترى- مختلفان, فلا تجنيس إذا إلا للظاهر. وقد ذكرت هذا الموضع في كتابي في شرح المقصور والممدود عن ابن السكيت, وأن الفراء تسمح3 في ذكر مثل هذا على اختلاف أصوله, وأن عذره في ذلك تشابه اللفظين بعد القلب.
ومن ذلك قولهم: عدد طيس4، وطيسل. فالياء في طيس أصل, وتركيبه من "ط ي س ", "وهي"5 في طيسل زائدة, وهو من تركيب "ط س ل ". ومثله الفيشة والفيشلة: حالهما في ذلك سواء. وذهب سيبويه6 في "عنسل" إلى زيادة النون, وأخذها من قوله 7:
عسلان الذئب أمسى قاربا ... برد الليل عليه فنسل PageV02P050
وذهب محمد بن حبيب1 في ذلك إلى أنه من لفظ "العنس" وأن اللام زائدة, وذهب بها مذهب زيادتها في ذلك وأولالك, وعبدل وبابه. وقياس قول محمد بن حبيب هذا أن تكون اللام في فيشلة وطيسل زائدة. وما أراه إلا أضعف القولين؛ لأن زيادة النون ثانية أكثر من زيادة اللام في كل موضع, فكيف بزيادة النون غير ثانية. وهو أكثر من أن أحصره2 لك.