فقالوا: المقصور من حاله كذا؛ "ومن صفته كذا, والممدود من أمره كذا, ومن سببه كذا, وقالوا في المذكر والمؤنث: علامات التأنيث كذا, وأوصافها كذا"1، ثم لما أنجزوا ذلك قالوا: ومن المؤنث الذي روي2 رواية كذا وكذا. فهذا من الوضوح على ما لا خفاء به.
فلما رأى القوم كثيرا من اللغة مقيسا منقادا, وسموه بمواسمه, وغنوا بذلك عن الإطالة والإسهاب فيما ينوب عنه الاختصار والإيجاز. ثم لما تجاوزوا ذلك إلى ما لا بد من إيراده, ونص ألفاظه التزموا "وألزموا"3 كلفته؛ إذ لم يجدوا منها بدا ولا عنها منصرفا. ومعاذ الله أن ندعي أن جميع اللغة تستدرك بالأدلة قياسا4، لكن ما أمكن ذلك فيه قلنا به ونبهنا عليه, كما فعله من قبلنا ممن نحن له متبعون, وعلى مثله5 وأوضاعه حاذون6، فأما هجنة الطبع وكدورة الفكر وخمود النفس7، وخيس8 الخاطر وضيق المضطرب فنحمد الله على أن حماناه, ونسأله سبحانه أن يبارك لنا فيما آتاناه, ويستعملنا به فيما يدني منه, ويوجب الزلفة لديه بمنه.
فهذا مذهب العلماء بلغة العرب وما ينبغي أن يعمل عليه ويؤخذ به, فأمضه على ما أريناه وحددناه غير هائب له ولا مرتاب به. وهو كثير وفيما جئنا به منه كاف. PageV02P045
باب في تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية
ولنبدأ من ذلك بذكر الثلاثي منفردا بنفسه ثم مداخلا لما فوقه.
اعلم أن الثلاثي على ضربين: أحدهما ما يصفو ذوقه، ويسقط عنك التشكك في حروف أصله؛ كضرب وقتل وما تصرف منهما. فهذا ما لا يرتاب به في جميع تصرفه نحو: ضارب ويضرب ومضروب, وقاتل وقتال واقتتل القوم واقتل ونحو ذلك. فما كان هكذا مجردا1 واضح الحال من الأصول, فإنه يحمي نفسه وينفي الظنة عنه.
والآخر أن تجد الثلاثي على أصلين متقاربين والمعنى واحد, فههنا يتداخلان, ويوهم كل واحد منهما كثيرا من الناس أنه من أصل صاحبه, وهو في الحقيقة من أصل غيره, وذلك كقولهم: شيء رخو ورخود2. فهما -كما ترى- شديدا التداخل لفظا, وكذلك هما معنى. وإنما تركيب "رخو" من رخ و3, وتركيب "رخود" من رخ د, وواو "رخود" زائدة, وهو فعول كعلود4 وعسود5، والفاء6، والعين من "رخو" و"رخود" متفقتان7، لكن لاماهما مختلفتان7. فلو قال لك قائل: كيف تحقر "رخودا" على حذف الزيادة لقلت: رخيد -بحذف الواو وإحدى الدالين, ولو قال لك: كيف تبني من رخو مثل جعفر لقلت "رخوي" ومن "رخود ": رخدد؛ أفلا ترى إلى ازدحام اللفظين مع تماس المعنيين؛ وذلك أن PageV02P046
الرخو الضعيف, والرخود المتثني والتثني عائد إلى معنى الضعف, فلما كانا1 كذلك أوقعا الشك لمن ضعف2 نظره، وقل3 من هذا الأمر ذات يده.
ومن ذلك قولهم: رجل ضياط3، وضيطار3. فقد ترى تشابه الحروف, والمعنى مع ذلك واحد, فهو أشد لإلباسه. وإنما "ضياط" من تركيب "ض ي ط ", وضيطار من تركيب "ض ط ر ". ومنه "قول جرير "4:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى! لولا الكمي المقنعا5
فضياط يحتمل مثاله ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون فعالا كخياط ورباط, والآخر أن يكون فيعالا كخيتام6 وغيداق7، والثالث أن يكون فوعالا كتوراب. فإن قلت: إن فوعالا لم يأت صفة, قيل: اللفظ يحتمله وإن كانت اللغة تمنعه. ومن ذلك لوقة8 وألوقة8، وصوص9 وأصوص9، وينجوج10 وألنجوج10 ويلنجوج10 وضيف وضيفن في قول11 أبي زيد. ومن ذلك حية وحواء, فليس حواء من لفظ حية كعطار من PageV02P047