والشعر ظهر طريق أنت راكبه ... فمنه منشعب أو غير منشعب
وربما ضم بين الركب منهجه ... وألصق الطنب العالي على الطنب
إلا أني إذا وجدت في شعره معاني كثيرة أجدها لغيره حكمت بأن فيها مأخوذا لا أثبته بعينه، ومسروقا لا يتميز لي من غيره، وإنما أقول: قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا، فأغتنم به فضيلة الصدق، وأسلم من اقتحام التهور.
سرقات المتنبي
وهذا ما ادعي على أبي الطيب فيه السرقة، وما أضيف إليه مما عثرت به: قال أبو تمام - وقد روى هذا البيت لبكر بن النطاح، وقد دخل في شعر أبي تمام:
ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله
قال أبو الطيب:
يا أيها المجدى عليه روحه ... إذ ليس يأتيه لها استجداء
احمد عفاتك لا فجعت بفقدهم ... فلترك ما لم يأخذوا إعطاء
وبيت أبي تمام أو بكر بن النطاح أملح لفظا وأصح سبكا. وزاد أبو الطيب بقوله: إنه يجدي عليه روحه. ولكن في اللفظ قصور، والأول نهاية في الحسن، ثم نقل المعنى عن الروح الى الجسد، فقال:
لو اشتهت لحم قاريها لبادرها ... خراذل منه في الشيزي وأوصال
وهذا هو الأول، ومن جاد بأوصاله فقد جاد بروحه، وكأنه من قول ابن الرومي:
لو حز من جسمه لسائله ... أنفس أعضائه لما ألما
ثم كرره وغيره بعض التغيير فقال:
ملت الى من يكاد بينكما ... لو كنتما السائلين ينقسم
ثم لاحظ هذا فأخفاه؛ وأحسن ما شاء، فقال:
إنك من معشر إذا وهبوا ... ما دون أعمارهم فقد بخلوا
فجاء به معنى مفردا، وهو من باب السماحة بالروح. والغرض واحد. ومن هذا المعنى قول بكر بن النطاح:
ولو خذلت أمواله فيض كفه ... لقاسم من يرجوه شطر حياته
قال أبو تمام:
لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس دليلا
قال أبو الطيب:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا الى أرواحنا سبلا
وقال الأعشى:
لو أسندت ميتا الى نحرها ... عاش ولم ينقل الى قابر
وقال أبو الطيب:
فذقت ماء حياة من مقبلها ... لو صاب تربا لأحيا سالف الأمم
وهذا معنى متداول بعد الأعشى، وقد قيل فيه ما كثر.
قال أبو العباس الناشئ الأكبر:
لفظي ولفظك بالشكوى قد ائتلفا ... يا ليت شعري فقلبانا لم اختلفا
قال أبو الطيب:
أبديتث مثل الذي أبديت من جزع ... ولم تجني الذي أجننت من ألم
والأول أملح لفظا.
قال محمد بن داود:
كأن رقيبا منك يرعى خواطري ... وآخر يرعى ناظري ولساني
وإنما أخذه من قول العباس بن الأحنف:
أقامت على قلبي رقيبا وناظري ... فليس يؤدي عن سواها الى قلبي
قال أبو الطيب:
كأن رقيبا منك سد مسامعي ... ن العذل حتى ليس يدخلها عذل
أبو تمام:
متواطئو عقبيك في طلب العلا ... والمجد ثمت تستوي الأقدام
قال أبو الطيب:
رأيت عليا وابنه خير قومه ... وهم خير قوم واستوى الحر والعبد
وأعاده فقال:
حتى يشار إليك ذا مولاهم ... وهم الموالي والخليقة أعبد
قال أبو تمام:
غربته العلا على كثرة الأه ... ل فأضحى في الأقربين جنيبا
فليطل عمره فلو مات في مر ... ومقيما بها لمات غريبا
وقال أبو الطيب:
وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيس غريب حيثما كانا
وبيت أبي الطيب أجود وأسلم، وقد أساء أبو تمام بذكر الموت في المديح، فلا حاجة به إليه؛ والمعنى لا يختل بفقده، ومن مات في بلده غريبا فهو في حياته أيضا غريب، فأي فائدة في استقبال الممدوح بما يتطير منه! قال أبو تمام: