بسم الله الرحمن الرحيم
(كتب الشيخ أبو هلال الحسن بن عبد الله)
بن سهل الأديب إلى بعض أصحابه:
أيدك الله وأيد أهل الفضل بك، وقاك المكروه، ووقاهم إياه فيك وأصلح بك ولك وخولك وخول منك، وألهمك الاجتهاد فيما يزيدك عند العقلاء قيمة، ويمنحك مزية يقصر عنها من يساميك، ويقع دونها من ينافسك ويناوئك.
والاجتهاد فيما يكسب العز ويزيد في النباهة والقدر، راحة العاقل، والتواني عنه عادة الجاهل.
وقلت في نحو ذلك: // من البسيط //.
(وساهر الليل في الحاجات نائمه ... وواهب المال عند المجد كاسبه)
وقلت في نحو ذلك: // من الكامل //.
(وليغد في تعب يرح في راحة ... إن الأمور مريحها كالمتعب)
وقلت: // من الطويل //.
(ألا يذم الدهر من كان عاجزا ... ولا يعذل الأقدار من كان وانيا)
(فمن لم تبلغه المعالي نفسه ... فغير جدير أن ينال المعاليا)
ومثل العلو في المكارم مثل الصعود في الثنايا والقلل، ولا يكون إلا بشق النفس. ومن ظن أنه ينعم في قصد الذرى والتوقل في الغرفات العلى فقد ظل باطلا وتوهم محالا.
ورتبة الأديب من أعلى الرتب، ودرجة العلم أشرف الدرج، فمن أراد مداولتها بالدعة وطلب البلوغ إليها بالراحة كان مخدوعا، وقال الجاحظ:
العلم عزيز الجانب، لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وأنت إذا أعطيته كلك كنت من إعطائه إياك البعض على خطر.
وقد صدق، فكم من راغب مجتهد في طلبه لا يحظى منه بطائل على طول تعبه ومواصلة دأبه ونصبه، وذلك إذا نقص ذكاؤه وكل ذهنه ونبتت قريحته.
والفهم إنما يكون مع اعتدال آلته، فإذا عدم الاعتدال لم يكن قبول، كالطينة إذا كانت يابسة أو منحلة لم تقبل الختم، وإنما تقبله في حال اعتدالها، وإذا أكدى الطالب مع الاجتهاد، فكيف يكون مع الهوينا والفتور.
فإذا كنت أيها الأخ ترغب في سمو القدر ونباهة الذكر وارتفاع المنزلة بين الخلق، وتلتمس عزا لا تثلمه الليالي والأيام ولا تتحيفه الدهور والأعوام، وهيبة بغير سلطان، وغنى بلا مال، ومنعة بغير سلاح، وعلاء من غير عشيرة، وأعوانا بغير أجر، وجندا بلا ديوان وفرض، فعليك بالعلم، فاطلبه في مظانه، تأتك المنافع عفوا، وتلق ما يعتمد منها صفوا، واجتهد في تحصيله ليالي قلائل، ثم تذوق حلاوة الكرامة مدة عمرك، وتمتع بلذة الشرف فيه بقية أيامك، واستبق لنفسك الذكر به بعد وفاتك.
ولأمر ما اجتهد فيه طائفة العقلاء، وتنافس عليه الحكماء، وتحاسد فيه
الفضلاء، ولا يصلح الحسد والملق في شيء غيره، كما أخبرنا الشيخ أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد عن عبد الله بن عبد الملك بن هارون، عن بشر بن عبيد، عن وهب بن وهب، عن عبد الواحد بن ميمون، عن ابن عباس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يصلح الحسد والملق إلا في طلب العلم.
ثم قال أبو تمام // من البسيط //:
(فاعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إن العلى حسن في مثلها الحسد)
وقال أيضا // من الطويل //:
(وما أنا بالغيران من دون جارتي ... إذا أنا لم أصبح غيروا على علمي)
(لصيق فؤادي مد ثلاثون حجة ... وصيقل ذهني والمروح عن فهمي)
قال الشيخ أبو هلال: ومثله ما قلته: // من الرجز //.
(لا أحسد المرء على درهمه ... وإنما أحسده على الأدب)
(ولست بالغيران دون جارتي ... إن لم أكن غيران من دون الحسب)