مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي:
الحمد لله المنعم، مفضل النبيين، المجزل الجواد الكريم، ذي المن العظيم الذي ابتدأنا بنعمته في الأزل مشيئة وقدرا قبل أن نكون خلقا بشرا وقبل أن نسوى أجساما وصورا، ثم اصطنعنا بعد فأكرمنا بمعرفته وأرشدنا بنطر هدايته، علمنا الدين وكنا جهالا، وبصرنا السبيل وكنا ضلالا، ولولا فضله علينا ورحمته إيانا ما زكا منا من أحد ولا اهتدى بجهده إلى خير ورشد، و {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما} أوضح به مناهج الحق ونور سبله وطمس به أعلام الباطل وعور طرقه، وشرع فيه الأحكام، وبين فيه الحلال والحرام، ثم بشر وأنذر (ووعد) وأوعد، وضرب فيه الأمثال، واقتص عن الأمم السالفة نواصي الأخبار ليكون لنا فيها موعظة وبها اعتبار.
والحمد لله {الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته PageV01P099
ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. جعله مهيمنا على كتابه ومبينا له وقاضيا على ما أجمل منه بالتفسير، وعلى ما أبهم من ذكره بالبيان والتلخيص ليرفع بذلك من قدره ويشيد بذكره، فتكون أحكام شرائع دينه صاردة عن بيان قوله وتوقيفه، ثم قرن طاعته بطاعته، وضمن الهدى في متتابعته. فقال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وقال جل جلاله: {وإن تطيعوه تهتدوا}، وشهد له بالصدق فيما قاله وبلغه فقال عز وجل: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}، وسلم له فيما شرعه وسنه الحكم وألقى إليه في ذلك أزمة الأمر، فقال عز وجل: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}.
وأحمد الله الذي جعلنا من أمته فأكرمنا بدينه وسنته وعلمنا منهما ما لم نكن نعلم وكان فضله علينا عظيما.
نحمده على جميع آلائه قديمها وحديثها تليدها وطريفها السالفة منها والراهنة، الظاهرة منها والباطنة، حمد المعترفين بأسبابه وإبلائه، العاجزين عن مزيد فضله وإحصائه، المجتهدين في بلوغ شكره، الراغبين في المزيد من نوافل بره، ونسأله أن يصلي على PageV01P100
محمد عبده ورسوله أفضل صلاة صلاها على نبي من أنبيائه أرفعها درجة وأسناها ذكرا، صلاة تامة زاكية غادية عليه ورائحة، كما قد جاهد فيه حق جهاده، وناصحه في إرشاد خلقه وعباده، وعادى فيه الأقربين، ووالى الأجانب الأبعدين، وصدع بما أمر حتى أتاه اليقين، وأن يضاعف من بركاته عليه، ويزلف مقامه لديه، وأن يسلم عليه وعلى آله تسليما.
وإن جماعة من إخواني ببلخ كانوا سألوني عند فراغي لهم من إملاء كتاب (معالم السنن) لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني -رحمه الله- أن أشرح لهم كتاب الجامع الصحيح لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله- وأن أفسر المكل من أحاديث وأبين الغامض من معانيها، وذكروا أن الحاجة إليه كانت أمس، والمؤنة على الناس فيه أشد، فتوقفت إذ ذاك عن الإجابة إلى ما التمسوه من ذلك، إذ كنت أستصعب الخطة وأستبعد فيه الشقة، لجلالة شأن هذا الكتاب فإنه كما قيل: (كل الصيد في جوف الفرا) ولما يشتمل عليه من صعاب الأحاديث وعضل PageV01P101
الأخبار في أنواع العلوم المختلفة التي قد خلا عن أكثرها كتاب المعالم؛ إذ كان معظم القصد من أبي داود في تصنيف كتابه ذكر السنن والأحاديث الفقهية، وغرض صاحب هذا الكتاب إنما هو ذكر ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث في جليل من العلم أو دقيق، ولذلك أدخل فيه كل حديث صح عنده في تفسير القرآن، وذكر التوحيد والصفات، ودلائل النبوة ومبدأ الوحي وشأن المبعث، وأيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحروبه ومغازيه، وأخبار القيامة والحشر، والحساب، والشفاعة وصفة الجنة والنار، وما ورد منها في ذكر القرون الماضية، وما جاء من الأخبار في المواعظ والزهد والرقاق، إلى ما أودعه بعد من الأحاديث في الفقه والأحكام والسنن، والآداب، ومحاسن الأخلاق، وسائر ما يدخل في معناها من أمور الدين، فأصبح هذا الكتاب كنزا للدين، وركازا للعلوم، وصار بجودة نقده وشدة سبكه حكما بين الأمة فيما يراد أن يعلم من صحيح الحديث وسقيمه، وفيما يجب أن يعتمد ويعول عليه منه، ثم إني فكرت بعد فيما عاد إليه أمر الزمان في وقتنا هذا من نضوب العلم، وظهور الجهل، وغلبة أهل البدع، وانحراف كثير من أنشاء الزمان إلى مذاهبهم وإعراضهم عن الكتاب والسنة، وتركهم البحث عن معانيهما، ولطائف علومهما، ورأيتهم حين هجروا هذا العلم وبخسوا حظا منه ناصبوه وأمعنوا في الطعن على أهله فكانوا كما قال الله عز وجل: {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك PageV01P102