بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة على محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين.
قال أبو محمد يوسف بن أبي سعيد بن عبد الله السيرافي:
الصفة المشبهة - تنوين معمولها
قال سيبويه في الكتاب باب حسن الوجه قال: ومما جاء منه منونا قول أبي زبيد:
وأقفر الحنو إلا من تواثبه ... ومن فريسته جرا وتسحابا
(كأن أثواب تقاد قدرن له ... يعلو بخملتها كهباء هدابا
وصف أسدا، والحنو: موضع بعينه في هذا البيت، وتواثبه: وثبة على الناس وغيرهم وفريسته: ما يأخذ من الحيوان، و (جرا) مصدر منصوب بفعل محذوف تقديره: يجرها جرا، يعني الفريسة، و (تساحبا) مثله، كأنه قال: ويسحبها سحبا. ويجوز أن يكون الفعل المقدر الناصب - جرا) والناصب (تسحابا) في موضع الحال من الهاء التي أضيف التواثب إليها، فيكون موضعه نصبا لأنه في موضع الحال كأنه قال: ومن تواثبه ساحبا.
ويجوز أن يكون الفعل خبرا مستأنفا، فلا يكون له موضع من الإعراب، كأنه أخبر
بأنه يجر فريسته ويسحبها. هذان فرع من الكلام المتقدم.
ثم وصف شعر الأسد، وشبه لونه بلون ثياب النقاد. والنقاد صاحب الغنم، والنقد غنم صغار، وثياب النقاد غير شديدة الوسخ.
وقيل: إنه أراد أن النقاد عليه ثوب قد شمره، وشعر الأسد لا يكثر على قوائمه، فكأنه بمنزلة نقاد قد شمر ثيابه.
وقوله (فدرن له) أي جعلن له قدرا، وقدرت عليه. ويقال: قدرت الشيء من
التقدير. وجعله لأجل شعره بمنزلة النقاد الذي قد لبس قطيفة، وصير القطيفة أثوابه، وما عليه أثوابه، وجعل خملها ظاهرا. وهداب القطيفة: ما تدلى منها، وحواشيها أيضا اهدابها، والكهباء: التي بين السوداء والبيضاء. والكهبة: سواد يخلطه شيء من بياض.
وقوله: يعلو بخملتها، يريد إنه قد لبس القطيفة، وجعل الموضع الذي ليس فيه خمل مما يلي جسده، وجعل الموضع الذي فيه خمل ظاهرا، وإذ جعله ظاهرا فقد علا به. وفي (يعلو) ضمير يعود إلى النقاد، وهو في معنى يعلي خملتها، كقولك: ذهبت به وأذهبته.
و (كهباء) حال من الضمير الذي أضيفت الجملة إليه، والضمير يعود إلى الأثواب. ويجوز أن يكون حالا من النون في (قدرن) التي هي ضمير الثياب. ويجوز أن تكون (كهباء) من نعت الأثواب.
وكان الأصل فيه قبل النقل أن يكون (أكهب هدابها) لأن الهداب ذكر فلما نقل الضمير المؤنث الذي أضيف إليه الهداب عن موضعه وجعله في تقدير فاعل لأكهب؛ احتاج أن يجعل مكانه اللفظ الذي للمؤنث، لأنه جعل ضمير المؤنث فاعلا فصار كهباء في موضع اكهب. ومثله: مررت
بامرأة احمر غلامها، فإذا نقلت الضمير وجعلته في تقدير فاعل لأحمر قلت: مررت بامرأة حمراء الغلام بالإضافة، وحمراء الغلام بنصب الغلام، فإن لم تدخل الألف واللام قلت: حمراء غلاما بالنصب، أو حمراء غلام بالإضافة.
قال ولأبي زبيد:
(هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... محطوطة جدلت شنباء أنيابا)
وصف امرأة في اول قصيدته فقال:
أصبحت قضيت من حسناء آرابا ... هجرتها ورحيق الكأس أحقابا
يريد إنه هجرها وهجر شرب الخمر. ثم مضى في ذكرها حتى انتهى إلى قوله: هيفاء مقبلة، والهيف: ضمر البطن، والمجدولة: المفتولة الجسم ليست بمسترخية اللحم، ولم يرد بوصفها بالجدل أنها صلبة الجسم، إنما يراد أن لحمها ليس بمسترخ ولا متدل، هي مستوية الأعضاء كالعنان والنسع المجدول. والمحوطة: قيل في معناها: إنها ليست بكثيرة لحم المتنين، وعندي إنه يراد به أنها ملساء الجلد براقته. وقيل الشنب حدة في الأسنان. وقيل: الشنب برد في الأسنان.