والمتبتلين ، والزهاد والمتوحشين ، والصوفية ، والمتواجدين ، والأئمة والمؤذنين ، والقراء
والملحنين ، والرجحاء والمبرزين ، وأهل النقص والمقصرين ، والأغنياء والمملقين ،
والأغبياء والمتخلفين ، والفطناء والمتقدمين ، والشطار والمتقين ، وأصحاب العصبية
والسكاكين ، وقطاع الطريق والمتلصصين ، والجيران والمتغربين ، وأهل الخسارة
والعيارين ، ولعاب النرد والشرنجيين ، والملاح والمتطايبين ، والمسامرين والمضاحكين ،
وأصحاب النادرة والمضكين ، والمورثين والمبذرين ، والطفيلية والمتطرحين ، والأكلة
والمواكلين ، والشراب والمعاقرين ، والمغنيات والمغنين ، والرقاصين والمخنثين ، وأصحاب
الستائر والمقينين ، والمتقاينين والمستمعين ، وأهل الهزل والمتخالعين ، والمجان والمجانين ،
والبله والمغفلين ، والمفكرين والموسوسين ، وأهل المذهب والسوداويين ، والمشعبذين
والمحتالين ، والمللحدة والمنبين ، والأطباء والمنجمين ، والكحالين والفصادين ، والأساة
والمجبرين ، ومعالجي الجرائح والقمائحيين ، وأصحاب الزجر ، والزراقين ، وأهل القرعة
والمقالين ، والطواف بالسهام والمفسرين ، والشحاذين والمجتدينن والمجدودين والمحدودين ،
والسعاة والمسافرين والمشاة والمتغربين ، والسباح والغواصين ، والبانانية والملاحين
وسلاك البحار والمفازات ، وأهل المهن والصناعات ، والمياسير والفقراء ، والتجار
والأغنياء ، والفواصل من النساء ، وحرائرهن والإماء ، وخواص الأحجار والحيوانات ،
وغريب الأدوية والعلاجات ، والرقي والنيرنجيات ، والأحاديث المفرادات ، وشاذ
الاتفاقات ، وطريف المنامات ، وشريف الحكايات ، وغير ذلك من ضروب أحاديث
أهل الخير والشر ، وبعدا وقربا .
وكان القوم الذين استكثرت منهم ، وأخذت ذلك عنهم ، يحكونه في أثناء
مذاكراتهم ، وفي عرض مجاراتهم ، وبعد انقضاء ملحهم وآدابهم ، والخوف من ملل
يلحق السامعين لعلومهم وحكمهم ، نفيا للمساكنة ، واجترارا للمثافنة ، وصلة
للمجالسة ، وفتحا للمؤانسة ، وسبرا لأحاديث الدنيا : ماضيها وباقيها ، وتواصفا
لسير أهلها وما جرى فيها ، وتمثيلا بين ما شاهدوه منها ، وسمعوه عنها ، وعابوه من
فعلها وعانوه من تقلبها ، وقاسوه من تصرفها ، وأخبروا به من عجائبها ، ويوردون
كل فن من تلك الفنون على حسب ما تقتضيه المحادثة ، وتبتغيه المفاوضة ، فأحفظ
عنهم ذلك في الحال وأتمثل به وأستفيده في أحوال .
فلما تطاولت السنون ، ومات أكثر أولئك المشيخة الذين كانوا مادة هذا
الفن ، ولم يبق من نظرائهم إلا اليسير الذي إن مات ولم يحفظ عنه ما يحكيه ، مات
بموته ما يرويه ، ووجدت أخلاق ملوكنا ورؤسائنا لا تأتي من الفضل ، بمثل ما
تحتوي عليه تلك الأخبار من النبل ، فسيتغنى بما يشاهد من نظره ، عن حفظ ما PageV01P001 """""" صفحة رقم 2 """"""
سلف وتحبيره ، بل هي مضادة لما تدل عليه تلك الحكايات من أخلاق المتقدمين
وضرائبهم ، وطبائعهم ومذاهبهم ، حتى إن من بقي من هؤلاء الشيوخ إذا ذكر ما
يحفظه من هذا الجنس بحضرة أرباب الدولة ورؤساء الوقت ، خاصة ما كان منه
متعلقا بالكرم ، ودالا على حسن الشيم ، ومتضمنا ذكر وفور النعم ، وكبر الهمم ،
وسعة الأنفس ، وغضارة الزمان ، ومكارم الأخلاق ، كذبوا به ودفعوه ، وحصلوه في