[حماسة الخالديين المعروف بالأشباه والنظائر من أشعار المتقدمين والجاهليين والمخضرمين]
المؤلف: الخالديان أبو بكر محمد بن هاشم الخالدي، (المتوفى: نحو 380ه) ، وأبو عثمان سعيد بن هاشم الخالدي (المتوفى: 371ه)
المحقق: الدكتور محمد علي دقة
الناشر: وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية
عام النشر: 1995
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] PageV00P000
الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الحمد لله الواحد بلا كيفية تقع بها الإحاطة، والأزلي بلا وقت تنسب الصفات إليه، حمدا يورد من جليل نعمه، وجزيل قسمه، مشربا عذبا ومسحبا رحبا، وصلى الله على سيدنا محمد ما أورق شجر، وأينع ثمر، وعلى الطاهرين من عترته وسلم تسليما.
وبعد فسح الله لنا في مدتك، ووفقنا لما نؤثره من خدمتك، فإنا رأيناك بأشعار المحدثين كلفا، وعن القدماء والمخضرمين منحرفا، وهذان الشريجان هما اللذان فتحا للمحدثين باب المعاني فدخلوه، وأنهجوا لهم طرق الإبداع فسلكوه، أما سمعت، زاد الله قدرك علوا ورفعة وسموا، قول الشاعر:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... إليها شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم
ومن أمثالهم السائرة: ما ترك الأول للآخر شيئا، إلا أن أبا تمام لم يرض بهذا المثل حتى قال يصف قصيدة له:
لا زلت من شكري في حلة ... لابسها ذو سلب فاخر
يقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأول للآخر
ومن المعنى الأول قول عنترة: " هل غادر الشعراء من متردم؟ "
أي ما تركوا كلاما لمتكلم. فإذا كان عنترة - وهو في الجاهلية الجهلاء، وإمام الفصاحة الفصحاء - يقول مثل هذا القول فما ظنك بهذا العصر وقبله بمائتي سنة؟ فلسنا بقولنا هذا، أيدك الله، نطعن على المحدثين ولا نبخسهم تجويدهم ولطف تدقيقهم وطريف معانيهم وإصابة تشبيههم وصحة استعاراتهم. إلا أنا نعلم أن الأوائل من الشعراء رسموا رسوما تبعها من بعدهم، وعول عليها من قفا أثرهم، وقل شعر من أشعارهم يخلو من معان صحيحة، وألفاظ فصيحة، وتشبيهات مصيبة، واستعارات عجيبة، ونحن - أطال الله في العز بقاءك، وكبت بالذل أعداءك - نضمن رسالتنا هذه مختار ما وقع إلينا من أشعار الجاهلية ومن تبعهم من المخضرمين، ونجتنب أشعار المشاهير لكثرتها في أيدي الناس فلا نذكر منها إلا الشيء اليسير ولا نخليها من غرر ما رويناه للمحدثين، ونذكر أشياء من النظائر إذا وردت، والإجازات إذا عنت، ونتكلم عن المعاني المخترعة والمتبعة ولا نجمع نظائر البيت في مكان واحد ولا المعنى المسروق في موضع، بل نجعل ذلك في موضع ذكره، وإن كنا نعلم أنك - أدام الله تأييدك - أعلم بما نحمله إليك، ونعرضه عليك، منا. ومن أين لنا قرائح تنتج ما لا تزال تريناه، وتسألنا عنه، من دقيق المعاني وطرائف السرقات. ولقد تأتى لك - أيدك الله - في بيتي أبي تمام والبحتري على غموض المعنى وبعده في النوعين من دقة النظر ولطيف الفكر ما لا يتوهم أنه يطرد لسواك ولا يعن لغيرك، وهو أنك - أيد الله عزك - قلت لنا: من أين أخذ البحتري قوله:
ركبا القنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكر
فلم يكن عندنا فيه شيء غير الاستحسان والتقريظ، فعرفتنا - أيدك الله - أنه مأخوذ من قول أبي تمام: