بسم الله الرحمن الرحيم
هذا باب في
تفسير الكلم التي سميت بها الأفعال
قال الأعشى:
فاذهبي ما إليك أدركنى الحل ... م عدانى عن هيجكم أشغالى
وأنشد أبو زيد:
أعياش قد ذاق القيون مرارتى ... وأقدرت نارى فادن دونك فاصطل
وأنشد أبو عبيدة:
فقلت لها فيئى فإننى ... حرام وإنى بعد ذاك لبيب
وأنشد أحمد بن يحيى:
إذهب إليك فإنى من بنى أسد ... أهل القباب وأهل الخيل والنادى
وقال الفرزدق:
إذا جشأت نفسى أقول لها ارجعى ... وراءك واستحيى بياض اللهازم
وأنشد على بن سليمان:
فرت يهود وأسلمت جيرانها ... صمى لما فعلت يهود صمام
وقال:
أيوعدنى بالقتل أعور عاقر ... إليك فنهنه من وعيدك عامر
وقال الأسود بن يعفر:
كان التفرق بيننا عن مئرة ... فاذهب إليك فقد شفيت فؤادى
وقال عمور بن كلثوم:
إليكم يابنى بكر إليكم ... ألما تعلموا منا اليقينا
[قال أبو على رحمه الله]: إن سأل سائل عن هذه الكلم، أأسماء هي، أم أفعال؟
قلنا: إنها أسماء. والدلالة على ذلك أنها لا تخلو من أن تكون أمساء، أو أفعالا.
ولو كان شئ من ذلك فعلا، لا تصل الضمير بما اتصل به منها، على حد ما يتصل بالأفعال، فلما اتصل به على حد اتصاله بغير الفعل، ثبت أنه اسم، ليس بفعل.
فلما كان هاء اسما لقولهم: خذ، واتصل به الضمير، على اتصاله بغير الفعل، في قولهم: هاؤما، وهاؤم،، ولم يكن: هاءا، ولاهاءوا، كقولهم: اضربا، واضربوا، ولكن كقولك: أنتما، وأنتم، دل أنهليس بفعل، وإذا لم يكن فعلا كان اسما.
فإن قلت: فقد يتصل الضمير بالفعل، على حد ما اتصل بهاؤما، وهاؤم، وذلك قولك: قمتما، فهلا لم يدل اتصاله على هذا الوجه عندك، أنه اسم، إذ قد يتصل بالفعل، على ما أريناك؟
قيل: هذا ليس بداخل على ما قلنا، لأن ما أورته من قمتما ليس بأمر وهذه الكلم موضوعة للأمر، فلو كان فعلا لا تصل بها الضمير، على حد ما يتصل بأمثلة الأمر، فلما لم يتصل به، على ذلك الحد، دل ذلك [على] أنه ليس بفعل.
فإن قال: فهلا زعمت أنها أفعال، لأنه كما اتصل به الضمير، على حد ما ذكرته، مما يتصل بغير الأفعال، فقد اتصل به أيضا على نحو ما يتصل بالفعل، لأن أبا عمر قد حكى أن منهم من يقول: هاءا، ومهاءوا، فهذا مثل: اضربا، واضربوا.
أو هلا قلت: إنه يكون اسما تارة، وفعلا أخرى.
قلت: إن الذي قال: هاؤما وهاؤم، فهو عنده اسم، والذى قال: هاءءءا، وهاءوا، فهو عنده فعل، كما أن من قال: مررت عليه، كانت الكلمة عنده حرفا، والذى قال: من عليه، وكانت عنده اسما
قيل: قد ثبت أنه اسم. بالدلالة التي ذكرنا، من اتصال الضمير به، ومن قال: هاءا أو هاءى، فإنه عنده اسم أيضا، في الأصل، إلا أنه لما كان واقعا موقع مثال
الأمر، أجراه مجراه، في اتصال الضمير به، على حد اتصاله به، وأجراه مجرى ما يقابله، ويستعمل استعماله، من قولهم: هات، وهاتيا، ألا ترى كيف ألحق حرف اللين آخرها، كلحاقها في آخر هاتى، والمهاتاة، فشبهه بهذا، كما شبه ليس بما،
عند سيبوبه، في قولهم: ليس الطيب إلا المسك، حيث كانت بمعناه، وواقعة موقعه.
واتصال الضمير بقولهم: هاء، في قول من قال: ها إيا، لا يدل أنه فعل محض، إذ كان للشبه بغيره، كما أن اتصال الضمير بليس، على حد اتصاله بكان، لم يجعله مثله، وإن كان قد جعل في الإعمال بمنزلته، ألا ترى أنه ينفى بليس ما في الحال، كما ينفى بما ما كان في الحال، فكونها على أمثلة الماضى، إنما هو شبه لفظى، لا حقيقة تحته.