عشية ما ود ابن غراء أنها ... لها من سوانا إذ دعا أبوان
ففسر بقوله "لها أبوان" فكذلك فسر هذا الضمير الذي هو أمر وحديث، بما هو حديث وأمر في الابتداء وما دخل عليه.
فإن قال قائل: هلا جاز أن يفسر هذا الضرب أيضا بالمفرد، كما فسر PageV01P248
بالجملة، لقولكم إن هذه الجملة في موضع مفرد، فإذا كان الموضع للمفرد، والأصل له، والجملة داخلة عليه، فهلا كان المفرد أولى من حيث كان الأصل؟ أو هلا استويا جميعا في ذلك، وصلحا له؟
قيل: كون المفرد الأصل في هذا الباب، والحكم على الجملة بأنها في موضعه، لا يوجب إجازة وقوع المفرد ههنا؛ ألا ترى أن في كلامهم مواضع أصلها للمفرد، ولم يجز مع ذلك وقوع المفرد فيها. فمن ذلك قولهم "كاد زيد يذهب" وقوله {يكاد سنابرقه يذهب بالأبصار} و {إذا أخرج يده لم يكد يراها}، وقولهم "ما أحسن زيدا"، وقولهم "اذهب بذي تسلم". فكما أن هذه جملة واقعة موقع المفرد، ولم يستجيزوا استعمال [الأسماء] المفردة الواقعة هذه الجمل مواقعها، كذلك لم يستجيزوا استعمال المفرد في موضع هذه الجملة.
على أنه لو بين بالمفرد لم يكن إلى نصبه سبيل لتعري الاسم من معنى الفعل وشبهه، وإذا لم يكن سبيل إلى نصبه وجب أن يكون المفرد مرفوعا لعدم ما ينصبه، وإذا ارتفع كان في موضع الخبر عنه، وإذا حصل في موضع الخبر عنه لم يكن تفسيرا له ولا تبيينا، كما أن سائر الأخبار عن المبتدآت لا تكون تبينا لها ولا تفسيرا، وكان مع ذلك يلبس بما تقدم ذكره من المضمرة، فلا يوصل إلى تحصيله فيما تقدم ذكره، وإذا كان كذلك ثبت أن هذا المضمر لا يفسر بالمفرد؛ إذ لا يخلو الأمر فيه من أن يفسر بما تقدم ذكره من المضمرة، فلا يوصل إلى تحصيله فيما تقدم ذكره، وإذا كان كذلك ثبت أن هذا المضمر لا يفسر بالمفرد؛ إذ لا يخلو الأمر فيه من أن يفسر بالمفرد PageV01P249
أو الجملة، وقد قامت الدلالة على أنه لا يجوز تفسيره بالمفرد، فبقي الجملة.
ومن هذا الباب قوله تعالى {من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم}، ومذهب سيبويه، أن في "كاد" ضمير القصة والحديث، وفسر بالجملة من الفعل والفاعل. وجاز ذلك فيها وإن لم تكن مثل "كان" وبابها من الأفعال المجردة من الدلالة على الحدث لمشابهتها لها في لزوم الخبر إياها، ألا ترى أنها لا تخلو من الخبر، كما أن تلك الأفعال كذلك، ومن أخوات "كاد" ما جاء خبره منصوبا ك "كان"، وذلك قولهم في المثل "عسى الغوير أبؤسا". وأنشدنا عن محمد بن يزيد. PageV01P250
أكثرت في القول ملحا دائما ... لا تكثرن إني عسيت صائما
فإن قلت: فإن الخبر لا يلزمه لزوم "كان" وبابها؛ لأنه قد جاء {عسى أن يبعثك ربك مقاما}، {وعسى أن تكرهوا شيئا}، فقد اضطر الشاعر فقال:
قد كاد من طول البلى أن يمصحا
قيل: هذا الذي ذكرته من أن الخبر لا يلزمه، لا يخرجه من شبه ما يدخل على الابتداء؛ لأن الخبر إنما يستغنى عنه لوقوع الحديث والمحدث عنه في الصلة، كما استغنى عنه في "علمت أنك قائم" وكما قالوا "ليت أنك قائم" فكما استغنوا عن أخبار هذه الأشياء، وإن كانت مما تدخل على الابتداء والخبر، كذلك إذا استغنى عن خبر "عسى" و "كاد" بما ذكرت، لا يدل على أنهما لا يشابهان ما يدخل على الابتداء والخبر.
وحكى أبو عمر أن أبا الحسن أجاز "ليت أك قائم" فكما استغنوا عن أخبار هذه الأشياء، وإن كانت مما تدخل على الابتداء والخبر، كذلك إذا استغنى عن خبر "عسى" و "كاد" بما ذكرت، لا يدل على أنهما لا يشابهان ما يدخل على الابتداء والخبر.