فإن قلت: فقد حكى أبو الحسن أن بعض العرب يجعل "واحد أمه" و "عبد بطنه" نكرة، ويدخل عليه "رب"، وأنشد:
أماوي إني رب واحد أمه ... أخذت، فلا قتل عليه ولا أسر
فقد حكى هذا، وقال مع ذلك: الوجه الجيد أن يكون معرفة، وهو أكثر. ووجه قول من أجاز ذلك أنه لما كانا صفتين، قدر فيهما الانفصال كما قالوا: مررت بفرس قيد الأوابد، وبناقة عبر الهواجر، حيث قدر PageV01P245
فيهما الانفصال، فكذلك "عبد بطنه" و "واحد أمه" تقدير: عبد لبطنه، وواحد لأمه، ويؤنس بذلك قولهم: رب رجل وأخيه، وكل شاة وسخلتها، وقوله:
وكم دون بيتك من مهمه ... ودكداك رمل وأعقادها
ووضع سقاء وإحقابه ... وحل حلوس وإغمادها
فإن قلت: فإن ما يدخل عليه "رب" من الأسماء النكرة يراد به الأكثر من الواحد، وهذا المعنى يكون في النكرة المظهرة دون المضمرة، فهلا امتنع دخول "رب" على المضمر لذلك؟
فالقول: إن دخول "رب" على المضمر لا يمتنع من أجل هذا، لما ذكرنا من بعده عن الاختصاص لاقتضائه التفسير؛ ألا ترى أن الفعل المخصوص بالمدح أو الذم لا يعمل في الأسماء المخصوصة، كما لا تعمل "رب" فيها، وقد احتمل هذا الضمير، فكما أن "نعم" ونحوه لا يعمل في PageV01P246
(ب) الجملة
الأسماء المخصوصة وقد احتمل هذا الضمير، كذلك يحتمله "رب"، وإن لم يعمل في الأسماء المخصوصة.
ومما يؤنس بذلك أن محمد بن السري أخبرني عن محمد بن يزيد عن أبي عثمان عن أبي زيد قال: سمعت أبا السمال يقول "هؤلاء قومك" فنون، وذلك أنه جعله نكرة. قلت لأبي عثمان: كيف تكون هذه نكرة وهو يومي به إلى "قومك"؟ فقل: ألا ترى أنك تقول: هؤلاء رجال ف "هؤلاء" معرفة، وما بعده نكرة.
الضرب الثاني من القسمة الأولى: ما أضمر قبل الذكر وفسر بجملة. هذا الضرب أصله أن يقع في الابتداء، وإذا كان موضعه الابتداء دخل عليه ما يدخل على المبتدأ من "كان" و "إن" وبابيهما، و "علمت" و "ظننت" وأخواتهما. قالوا في قوله تعالى {قل هو الله أحد}: إن الضمير للأمر والحديث، وإن الجملة التي هي المبتدأ وخبره في موضع خبره. وتدخل "إن" على المبتدأ فتقل "إنه زيد منطلق"، وفي التنزيل {إنه من يأت ربه مجرما فإن له} وفيه {فإنها لا تعمى الأبصار}، فجاء التأنيث على ضمير القصة، كما جاء التذكير على ضمير الحديث والأمر.
فإن قلت: هلا فسر هذا بالمفرد كما فسر ما تقدم به؟
فإن هذا لم يجز فيه التفسير بالمفرد كما جاز فيما تقدم؛ لعدم ما ينصب المفسر في هذا الموضع؛ ألا ترى أن النصب إنما يكون بفعل أو ما شبه به، والاس المضمر ليس بفعل، ولا فيه شبه منه، فإذا لم يكن في هذا الموضع ك "نعم" وبابه هناك، ولا جاز فصل بينه وبين المنصوب مجروره ولا بتنوين PageV01P247
لعمل فصله، فيكون كالفاعل في فصله بين المفعول وفعله، ثبت أنه لا سبيل إلى تفسير هذا الضمير على نحو ما فسر في "نعم" و "رب".
فأما قولهم "ضربني وضربت زيدا" فليس تفسير "زيد" للضمير في "ضربني" على حد تفسيره النكرة المنصوبة في "نعم" و "رب"؛ لأن المفسر في "نعم" و "رب" شائع مفسر بالمنكور الذي تفسر به الأسماء الشائعة المبهمة، والمضمر في "ضربني" مخصوص ليس شائعا، فمن ثم لم يبين إلا بإظهار اسمه المخصوص، كما يبين الاسم المخصوص بصفته والعطف عليه، ولما لم يجز أن يبين المضمر في الابتداء بالمفرد، فسر بجملة هي حديث وقصة، كما فسر ما كان أمرا نحو "الوصية" و "العدة" و "المثل" بجمل هي هي في المعنى، وذلك نحو قوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} ثم قال {للذكر مثل حظ الأنثيين} فبين الوصية، وقوله {وعد الله الذين آمنوا} ثم قال {لهم مغفرة وأجر عظيم} ففسر الوعد، وقال {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} ثم فسر المثل فقال {خلقه من تراب}. ومن هذا قول الفرزدق: