تنوين صه
فإن قلت: فهلا استدللت بتنوين ما نون من هذا على أنه اسم نحو "صه" و "مه"؛ لأن التنوين مما يختص الاسم، كما أن دخول لام التعريف كذلك؟
فإن هذا التنوين الذي في "صه" ليس الذي في "يد" و "دم"؛ ألا ترى أن هذا إنما يلحق بعد استيفاء الاسم جميع وجوه الإعراب وتمكنه فيه، وقد لا يلحق ضربا منها، وإن كان معربا، كباب ما لا ينصرف. فإذا كان هذا التنوين من وصفه أن لا يلحقه إلا بعد تمكن ما يلحقه من الإعراب، ولم يكن "صه" وبابه معربا، علمت أنه ليس إياه، ولكنه التنوين الذي يلحق الأسماء التي هي غير متمكنة، وما أشبهها في قلة التمكن من الأصوات، نحو "غاق" و "عمرويه"، فدل على أن المراد بالاسم أو بالصوت النكرة، فلهذا المعنى يلحق، وليس الذي يلحق بعد استيفاء الاسم وجوه الإعراب كذلك؛ ألا ترى أنه يلحق المعرفة في "زيد" و "جعفر" و "فرزدق"، كما يلحق في النكرة في "رجل" و "فرس"، فتعلم أنه وإن كان على لفظه، فهو غيره، كما أن الذي يلحق القوافي:
من طلل كالأتحمي أنهجا
غيرهما وإن كان على لفظهما؛ ألا ترى أنه يلحق الفعل كما يلحق الاسم، ويلحق ما فيه لام المعرفة كما يلحق ما لا لام فيه، ويلحق المعرفة كما يلحق النكرة، [ولو كان الذي في "رجل" لم يلحق في قوله]: PageV01P218
من الأدلة على أن "ليس" ليست كالأمثلة المأخوذة من لفظ أحداث الأسماء أنها لا توصل ب "ما" المصدرية
يا أبتا علك أو عساكا
ولا مع اللام في:
يا صاح ما هاج الدموع الذرفا
و:
أقلي اللوم عاذل والعتابا ... .....................
فقد تتفق الألفاظ في الحروف وتختلف المعاني، كما كان ذلك في الأسماء والأفعال. فإذا كانت هذه الكلم التي سميت بها الأفعال أسماء بما ذكر من الأدلة، وقد اتصل ببعضها الضمير على نحو ما يتصل بالفعل، لم يكن في اتصال الضمير ب "ليس" على حد ما اتصل به دلالة قاطعة على أنها فعل.
ومما يدلك على أن "ليس" كالأمثلة المأخوذة من لفظ أحداث الأسماء، أنها لا توصل ب "ما" التي تكون مع الفعل بتقدير المصدر، فتكون معه بمنزلة الاسم، كما أنها إذا وصلت بسائر الأمثلة كانت معه بمنزلة المصدر؛ ألا ترى أنه لا يستقيم "ما أحسن ما ليس زيد ذاكرا" كما يجوز "ما أحسن ما كان زيدا ذاكرا"، فلو كانت فعلا على الحقيقة لوصلت "ما" بها كما وصلت بسائر الأفعال ماضيها وحاضرها وآتيها، فلما لم يوصل بها كما لم يوصل ب "ما" حتى يكون خبرها فعلا، كقولك "ما أحسن ما ليس يذكرك زيد"، دل ذلك على أنه أجري مجرى ما ينفى به مما ليس بفعل. PageV01P219