أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، وأطيب ما تكون البداوة شهرا ربيع
، كأنه قال: أخطب أيام عبد الله يوم الجمعة، وأطيب أزمنة البداوة شهرا ربيع. وجاز "أخطب أيامه/ يوم الجمعة" على سعة الكلام، كأنه قال: أطيب الأزمنة التي تكون فيها البداوة شهرا ربيع، وأخطب الأيام التي يكون عبد الله فيها خطيبا يوم الجمعة، [في] هذه المسألة في أنها قد اتسع فيها مثل ما تقدمها، وإن اختلفت جهتا الاتساع في أنه قد نزل العين في الأول منزلة المعاني، ولم يسغ في هذه بأن أسندت الخطبة إلى الزمان الذي يكون فيه، فجاز على تقدير: "خطبت أيام الجمعة" PageV01P205
لما كانت الجمعة فيها كما جاء "ليل نائم"، وقوله:
فنام ليلي وتجلى همي
قد أسند النوم فيه إلى الليل لما كان فيه، فتقديرها: أخطب أيام كون الأمير يوم الجمعة، وحذفت الأيام كما يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه. ويدل على ذلك رفع "يوم الجمعة" الذي هو خبر "أخطب"، والخبر إنما يكون المبتدأ في المعنى، و "أفعل" لا يضاف إلا إلى أشياء هو بعضها، فإذا لم يضف إلا إلى ما هو بعضه، ولم يكن الخبر إلا المبتدأ، أثبت من ذلك أن الأيام المضاف إليها "أخطب" مرادة في التقدير والمعنى، وإن كانت محذوفة في اللفظ، للدلالة عليها وأن الكلام لا يصح إلا بتقديرها، وقد بين ذلك بقوله: كأنه قال: أخطب أيام عبد الله يوم الجمعة.
وقولهم "أطيب ما تكون البداوة شهرا ربيع" في أن تقدير "أطيب" الإضافة إلى الأزمنة، كما أن تقدير "أخطب" الإضافة إلى الأيام، سواء.
قال: وتقول: أتيك يوم الجمعة أبطؤه، و
أتيك يوم الجمعة أو يوم السبت أبطأه
. أبطؤه في الوضعين خبر مبتدأ محذوف دل عليه ما تقدم في الكلام، فصار لذلك بمنزلة المذكور في اللفظ، كأنك قلت: ذاك الإتيان أبطأه، أي: أبطأ الإتيان، فكنيت عن الإتيان لما تقدم من الذكر. وإذا كان المصدر قد حذف من اللفظ في نحو من قرأ {ولا يحسبن الذين يبخلون} لأن PageV01P206
ما يجيء بعد من الفعل يدل عليه، فحذفه إذا تقدم الفعل أسوغ؛ لأن الدلالة عليه أبين.
قال: "وإن شاء قال: يوم السبت أبطؤه". يريد: إن شئت قلت: أتيك يوم الجمعة أو يوم السبت أبطؤه، فرفعت يوم السبت، والمعنى: أو إتيان يوم السبت أبطؤه، فحذفت المضاف لما تقدم من الدلالة عليه، كما حذفته في قولك: "أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة"، / ولا يكون إلا على ذلك؛ لأن الخبر هو المبتدأ في المعنى، ولا وجه للإخبار عن يوم السبت بالبطء.
قال: "و