قوله: "كأنه قال: الحرب أولها إذا كانت فتية"، إنما أضاف الأول إلى الضمير لتعلم بذلك أنه ليس ل"تكون" من قوله "أول ما تكون" عمل في "فتية"؛ ألا ترى أن الضمير المضاف إليه "أول" لا يجوز أن يعمل في حال، فكما لم يعمل في الحال هذا الضمير، فكذلك إذا أظهر ما هذا الضمير في موضعه لم يعمل فيها، وإذا لم يعمل "تكون" في هذه الحال، كان "اول" في قولك "الحرب أول ما تكون فتية" مرتفعا بأنه مبتدأ ثان، وهو عبارة عن حدث؛ لأنه مضاف إلى حدث هو بعضها. وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يكون ظرف الزمان خبرا عنه، وإذا صار خبرا عنه أضيف إلى الفعل المنتصب عنه "فتية" على PageV01P191
الحال، ثم حذف الفعل لدلالة المنصوب عليه، وكان الأصل: الحرب أولها إذا كانت فتية.
وكذلك قولك "عبد الله أحسن ما يكون قائما"، تقديره: عبد الله أحسن أحواله يقع ويحدث إذا كان قائما، ف"إذا" و"إذ" يتعلق بالمحذوف الذي هو خبر المبتدأ، وهو "يقع"، كما أن قولك "القتال يوم الجمعة" كذلك، ثم حذفت الظرف، فصار "قائما" في موضع "الخبر" لدلالته على الظرف المحذوف الذي هو الخبر.
فإن قلت: ف"قائما" المنتصب على الحال حال لأي شيء هو والضمير في "كان" في قولك "عبد الله أحسن ما يكون إذا كان قائما"؟ ألقولك "ما يكون"، أو لضمير الاسم الأول الذي هو "الحرب"، أو "عبد الله"؟
فالقول: إن الحال تكون للضمير الذي هو الاسم الأول دون قولك "ما يكون"؛ ألا ترى أنه قد قال في التمثيل "كأنه قال: الحرب أولها إذا كانت فتية"، فدل ثبات علامة التأنيث في "كانت" على أن ما فيه يعود إلى "الحرب" لا إلى "الأول"؛ لأن الأول مذكر. ولا تحمله على "ذهبت بعض أصابعه"؛ لأن غيره أظهر.
وقال: "ومن رفع الفتية أيضا ونصب الأول على الحال قال: البر أرخص ما يكون قفيزان. ومن نصب الفتية ورفع الأول قال: البر أرخص ما يكون قفيزين".
اعلم أن سيبويه ليس يفصل بين المبتدأ الأول في هذا الباب إذا كان حدثا وبينه إذا كان عينا، في أن الظرف الذي يتعلق به المحذوف المضاف إلى ما ينتصب الحال عنه لا يتعلق به، كما لا يتعلق بما هو عبارة عن عين؛ ألا ترى أنه إذا قال: "ومن رفع الفتية ونصب الأول على الحال"، يريد PageV01P192
"الأول" في قوله: أول ما تكون فتية، قال: البر أرخص ما يكون، فجعل انتصاب "أول ما يكون" بعد "الحرب" كانتصاب "أرخص ما يكون" بعد "البر"، ولم يجعل تعلق "أول ما تكون" ب"الحرب" وإن كان اسما لحدث، كما لم يجعل تعلق "أرخص" ب"البر".
فإن قلت: هلا أجاز أن يتعلق الظرف المحذوف ب"الحرب"، وإن لم يجز أن يتعلق ب"البر"؛ لأن "الحرب" اسم حدث، وظروف الزمان قد تتعلق بأسماء الأحداث، وتعمل فيها؛ ألا ترى أنك تقول "القتال يوم الجمعة"، فتجعله خبرا عنه، و"القتال يوم الجمعة واقعا"، فتجعله متعلقا بالمصدر؟
قيل: إن "الحرب" وإن كان اسما لحدث، فكأنه قد أزيل عما ينبغي أن يكون عليه في أصله، فصارت كالأسماء التي ليست بأحداث، كما أن "درا" من قولك "لله درك" قد أزيل عن أصله؛ ألا ترى أن سبيويه قد قال فيه: "هو بمنزلة لله بلادك". وكذلك "صاحب" وإن كان في أصل اسم فاعل مثل "قائم"، فقد صار لا يعمل عمله، ولا يجري مجراه، فكذلك "الحرب".
فإن قلت: فإذا لم تجعل تعلق الظرف المحذوف المتعلق به "أرخص" ب"البر"، كما لم يتعلق "أول ما تكون" ب"الحرب"، ولم يسغ أن يتعلق "أخرص ما يكون" بقولك "قفيزان"؛ لأن القفيزين ليس بحدث، وإنما هو عبارة عن العين التي هي مكيال. فإذا كان كذلك لم يكن ك"فتية" في قولك "الحرب أول ما تكون فتية"؛ لأن في "فتية" معنى الفعل، فجاز أن يتعلق به الظرف لذلك، وإن لم يتعلق بالقفيزين لتعريه من معنى الفعل، فبم يتعلق الظرف المحذوف المنتصب "أرخص" عما اتصل به؟