الحرب أول ما تكون فتية
الابتداء في الموضع الذي ذكرنا لا يوصف. وعلى هذا أيضا قال: "كأنك قلت: البر أرخص أحواله" ليبين أنه مبتدأ ثان لا خبر؛ ألا ترى أن من قال "زيد أحسن ما يكون"، فجعله خبر المبتدأ، لم يقل "زيد أحسن أحواله"؛ لأن الاتساع على هذا وقع، كما أن معنى التعجب إنما وقع في قولك "ما أحسن عبد الله"، ولم يستقم "شيء أحسن عبد الله"، وإن تقارب المعنيان.
فإن قلت: لم لا يكون قوله "التي يكون عليها" صفة ل"أرخص" دون الأحوال؟
قيل: لأن "أرخص" مذكر، فلو كانت الصفة له لوجب أن يكون مذكرا، ولا تحمله على "ذهبت بعض أصابعه"؛ لأن القصد فيه أن يعلم أنه إذا وصف لم يكن الذي يقع خبرا للمتبدأ في نحو "زيد أحسن ما يكون".
قال: "ومن ذلك هذا البيت، ينشد على أوجه، بعضهم يقول:
الحرب أول ما تكن فتية ... .....................
أي: الحرب أولها فتية، ولكنه أنث الأول كما تقول: ذهبت بعض أصابعه". هذا مثل قوله: "البر أرخص ما يكون قفيزان"، وأنت الأول PageV01P189
لأنه الفتية في المعنى، كما أنث البعض لما كان إصبعا في المعنى. والعائد على المبتدأ الأول الذي هو "الحرب" الذكر الذي في "تكون". وقوله "أي: الحرب أولها فتية" تقديره: الحرب أول أحوالها فتية، إلا أنه مثله بقوله "أولها" دون "أول أحوالها"؛ لأنه قد مثل على التمام فيما تقدم، فعلم أن المراد به مثل ما تقدم.
قال: "وبعضهم يقول:
الحرب أول ما تكون فتية ... .....................
أي: الحرب فتية إذا كانت في ذلك الحين".
"أول ما تكون" في هذه المسألة ينتصب على الحال، والتقدير عنده: الحرب إذا كانت أول ما تكون فتية، ف"إذا" تتعلق ب"فتية"؛ لأن الظرف لا يمنع أن يتقدم على المعاني التي تعمل فيه، كقولك "أكل يوم لك ثوب"؟ فإذا جاز تقدم الظرف جاز انتصاب الأول على الفعل المضاف إليه الظرف، وهو "إذ كان"، أو "إذا كان".
فإن قلت: "أول" قد ينتصب على الظرف في نحو "جئت أول الناس"، فهلا جاز أن ينتصب أيضا على الظرف في قوله:
الحرب أول ما تكون فتية ... ......................
دون الحال؟
قيل: مذهب سيبويه فيه أنه منتصب على الحال، وإن كان الاسم في هذا النحو لا يمتنع أن ينتصب على الظرف؛ ألا ترى أنه قد قال: "ومن رفع الفتية ونصب الأول على الحال قال: البر أرخص ما يكون قفيزان". ويدل PageV01P190
على انتصابه على الحال أن الأسماء التي لا تكون ظروفا تقع ههنا وتنتصب على الحال، فكما ينتصب ما يكون غير ظرف على الحال، كذلك ينتصب ما يكون ظرفا عليها، وتقديره إذا انتصب على الحال: الحرب مبتدأة فتية.
وأجاز أبو عمر انتصابه على الظرف. وقوله "أي: الحرب فتية إذا كانت في ذلك الحين"، إنما مثله هذا التمثيل ليعلم أن ما تعلق به الحال معمول "فتية" دون "الحرف"؛ لأن إيقاعه بعده كأنه أشد إيضاحا بهذا المعنى وأبين.
فإن قلت: لا يدل قوله "أي: الحرب فتية إذا كانت في ذلك الحين" على أن "أول" ينتصب عنده على الظرف؛ لتمثيله إياه بما هو ظرف.
قيل: لما نص عليه بعد، ولأن قوله "في ذلك الحين" وإن كان فيه ما يكون ظرفا، فإنه لا يمتنع أن يقع حالا، والحال تمتنع أن تقع ظرفا.
قال: "وبعضهم يقول:
الحرب أول ما تكون فتية ... ......................
كأنه قال: الحرب أولها إذا كانت فتية، كما تقول: عبد الله أحسن ما يكون قائما". تجعل "قائما" خبر "أحسن" في المعنى.