مررت برج أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون
أيضا به، فإذا علقتها به انتصب الحالان بالفعلين المضاف إليهما الظرفان، ولا يجوز أن تعمل هذا المعنى في الحالين من حيث أعملته في الظرفين؛ لأن الحال لا تعمل فيها المعاني إذ تقدمت عليهن، وإن جاز أن تعملا في الظرف متقدمة نحو "أكل يوم لك ثوب".
وهذا هو الذي عليه عمل الباب، قال: "ومنه مررت برجل أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون، وبرجل خير ما يكون خير منك خير ما تكون، وهو [أخبث ما يكون] أخبث ما تكون. فهذا كله محمول على [مثل] ما حملت عليه ما قبله".
قال أبو العباس: سألت أبا عثمان عن قوله "
مررت برجل خير ما يكون خير منك خير ما تكون
": أتجيز الجر في "خير ما تكون"؟ فقال: لا؛ لأنه صفة ل"خير منك" وليس من "مررت" في شيء؛ الا ترى أنك تقول: "زيد خير ما يكون خير منك"، فانتصابه في المبتدأ دلالة على أنه ليس بمتعلق ب"مررت".
إن قلت: كيف أجاز أبو عثمان أن يكون "خير ما يكون" منتصبا عن "خير" وقد قدم عليه، و"خير منك" معنى، وما ينتصب عن المعاني من الأحوال لا يتقدم عليها، وقد قدمت أنت في هذا الباب ما يدل على خلاف ما قال أبو عثمان؟
قلنا: قول أبي عثمان يحتمل غير وجه، فإن حملته على أن "خير ما يكون" منتصب ب"خير منك" نسفه بغير توسط شيء مع أنه ليس بأسهل PageV01P180
ذلك، فوجهه أن "أفعل منك" قد أشبه الفعل من جهات: منها أنه لم يثن ولم يجمع، كما أن الفعل كذلك، ولم يؤنث، وقد وصل تارة بالحرف وتارة بغير الحرف، نحو قوله: {أعلم بمن ضل عن سبيله} و {أعلم من يضل}، وهذا المعنى إنما يكون في الفعل، فإذا وجد هذا الشبه للفعل في شيء أعطي حكمه؛ الا ترى أنهم أموالوا "يا" في النداء حيث وصل مرة باللام ومرة بلا لام، فكما شبه "يا" بالفعل فأميل، كذلك شبه هذا بالفعل فدم ما ينتصب عنه.
ومن شبه "أفعل" الفعل أنه قد أغنى عن الفعل الذي يعلق في قوله {أعلم من يضل عن سبيله}. ومن شبهه به أن الجار قد قدم عليه في الشعر نحو:
................... ... أو ما زودت منه أطيب
ومنه أيضا أنه قد نصب الظرف في قوله:
.................. أحوج ساعة ... .........................
وقال: PageV01P181
فخير نحن عند الناس منكم ... ........................
فأكد ما فيه. فلما حصل فيه هذه المشابهات بالفعل، جاز أن يقدم ما ينتصب بالحال عليه، إذ كان الحال مشبها بالظرف من حيث كان مفعولا فيه كالظرف، فلما كان الظرف قد عملت فيه المعاني مقدما، وكان الحال مثله في أن المعنى قد عمل فيه، استجيز في هذا الموضع أن يعمل "أفعل" فيه متقدما، وإن لم يعمل فيه سائر المعاني متقدما؛ لهذه المشابهات التي في "أفعل" بالفعل، ولأنه من لفظ الفعل وعلى وزنه، وليس شيء من هذه المشابهات في "خلفك" وقولك "في الدار" ونحوه. فلما اختص "أفعل" بهذه المشابهات، جاز عند أبي عثمان في تأويل قوله على هذا أن يعمل فيها متقدمة عليه، إذ جاز غير ذي شك "زيد منطلق" وإذ قد حمل في هذا الباب أشياء على الاتساع والمجاز؛ ألا ترى أنه قد جاز أن تكون الحال مضافة إلى "ما" التي هي مع الفعل بمنزلة المصدر، نحو "مررت برجل خير ما يكون خير منك".
ويحتمل أن يكون قول أبي عثمان "لا، لأنه [صفة] لخير منك" يريد به أن "خير ما يكون" العامل فيه الفعل المضاف إليه الظرف المحذوف، وذلك الظرف [صفة] ل"خير منك"، و"خير منك" لا يمتنع أن يعمل في الظرف إذا تقدمه، وإن امتنع أن يعمل في الحال مقتدمة. وهذا الوجه أسهل وأشبه بمجرى هذا الباب؛ ألا ترى أن سيبويه قد قال: "فهذا كله محمول PageV01P182