هذا بسرا أطيب منه رطبا
. فإن شيئت جعلته حينا قد مضى، وإن شئت مستقبلا نحو إذا كان. وإنما قال الناس: هذا منسوب على إضمار إذا كان فيما يستقبل، وغذ كان فيما مضى؛ لأن هذا لما كان ذا معناه أشبه عندهم أن ينصب على إذ كان".
فإذا كان لا يخلو العامل في قولهم "بسرا" من أن يكون "هذا" PageV01P176
أو "أطيب" أو مضمرا هو "إذ كان" و "إذا كان"، فلا يجوز أن يكون العامل فيه "أطيب" وقد تقدم علايه؛ لأن أفعل هذا لا يقوي قوة الفعل فيعمل فيما قبله؛ ألا ترى أنك لا تجيز "ممن أنت أفضل" ولا "ممن أفضل أنت" فتقدم الجار عليه؛ لضعفه أن يعمل فيما تقدمه. فإذا لم يعمل فيما كان متعلقا بحرف جر إذا تقدم، مع أن ما يكون متعلقا بحرف الجر قد يعمل فيه ما لا يعمل في غيره نحو "هذا مار بزيد أمس" و"هذا معط لزيد أمس درهما"، فأن لا يعمل فيما لم يتعلق بحرف الجر مما يشابه المفعول به أولى. فأما قول الفرزدق:
.................... ... أو ما زودت منه أطيب
[فشرورة]. وإذا كان كذا لم يعمل "أطيب" في "بسر" المتقدم PageV01P177
عليه، فإذا لم يجز أن يكون العامل "أفعل" كان إما "هذا" [وإما] المضمر. فإن أعملت فيه المضمر الذي هو "إذ كان" لزم أن يكون العامل في "إذ" هذه المضمرة قولك "هذا" أو ما فيه معنى فعل غيره. فإذا كان العامل كذلك، ولم يكن لك بد من إعمال [عامل في] الظرف، أعملت "هذا" في نفس الحال، واستغنيت عن إعمال ذلك المضمر في الحال إذ لابد لك من إعمال شيء فيه، فإذا أعملت "هذا" وتأولت ما ذكره من قوله "إنما قال الناس هذا منصوب على إضمار إذ كان" على إرادتهم معنى هذا الكلام لا حقيقة لفظه، وجعلت "أطيب" خبر "هذا" المبتدأ، وإن كان قد عمل في الحال كما تقول "ضرب زيد عمرا حسن"، فتأتي له بخبر بعدما أعملته في المفعول.
فأما قولهم "رطبا" فالعامل فيه "أطيب". ولا يمنع أن يعمل في رطب وإن لم يعمل في بسر؛ لأن ما تأخر عنه لا يمنع أن يعمل فيه، PageV01P178
كما عمل في الظرف في قول أوس:
فإنا وجدنا العرض أحوج ساعة ... إلى الصوت من ريط يمان مسهم
الا ترى أن "ساعة" معمول "أحوج" فكما عمل في الظرف كذلك يعمل في الحال إذا تقدم عليها.
ولو رفعت فقلت: "أطيب منه رطب" لكان قولك "أطيب منه رطب" خبرا ل"هذا"، فكان "أطيب" ابتداء، و"رطب" خبر، والجملة في موضع خبر المبتدأ الأول، ولم يستقم أن يكون "بسرا" خبرا ل"هذا" مستقلا به، ويكون "أطيب منه رطب" جملة في موضع الوصف ل"بسر" النكرة؛ لأن ظروف الزمان لا تكون أخبارا عن الجثث، و"إذ" و"إذا" جميعا من أسماء الزمان. ولا يجوز على ما أجازه أبو عثمان في قولهم "زيد خير ما يكون خير منك" إذا تؤول على ظاهره، أن يكون "بسرا" حالا من "أطيب منه" مقدما؛ لأن "أطيب منه" قد انتصب عنه "رطبا" ولا يجوز إذا انتصب عن فعل أو معنى فعل حال أن ينتصب عنه اسم آخر على أنه حال، كما لا ينتصب عنه مفعولان إلا أن تجعل الثاني صفة للأول، ولا يجوز ذلك في هذه الحال، ألا ترى أنه لايستقيم أن تصف "البسر" ب "الرطب".
والذي يحمل عليه هذا الباب أن تنصب "بسرا" على هذا الظاهر الذي ذكره، كأنه قال: هذا إذا كان بسرا، وإذ كان بسرا، أطيب منه إذا كان رطبا، فيكون الظرفان جميعا متعلقين ب"أطيب" لأن "أفعل" فيه دلالة على فعلين؛ ألا ترى أن أبا الحسن قد أجاز "أنت اليوم أفضل منك غدا" فعلق الظرفين به، وقال: لأن هنا فعلين. فإذا كان كذلك جاز أن تعلق الظرفين هنا PageV01P179