بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارا علي وتحسب
فلم يعد "تحسب" إلى شيء.
قيل: لا يقدح هذا في ما ذهب إليه أبو الحسن، وذلك أن الشاعر أراد إعمال الفعلين، فاستغنى بإعمال الأول عن أن يعمل الثاني، فحذف المفعولين من الفعل الثاني لدلالة ما تقدم عليهما؛ ألا ترى أن المعنى: ترى PageV01P073
وتحسبه إياه حبهم عارا، وما حذف من اللفظ لقيام الدلالة عليه فهو بمنزلة الثابت في اللفظ. ومثل هذا قول جرير:
كنقا الكثيب تهيلت أعطافه ... والريح تجبر متنه وتهيل
وفلم يع الثاني لدلالة الأول على إرادته تعديته. وفي التنزيل {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} والمعنى: وتبدل السموات غير السموات، فحذف المفعول من اللفظ لدلالة الأول عليه. وذكر سيبويه أن بعض العرب تقول: "متى ظننت أو قلت زيدا منطلقا"، فتعمل "ظننت" ولا تعمل "قلت" في شيء. فإذا كان هذا على ما ذكرناه، لم يكن فيه قدح على قول أبي الحسن.
وتقول: من زيد؟ وزيد من هو؟ فإن أدخلت "رأيت" أو "علمت" على: زيد من هو؟ قلت: علمت زيدا من هو، فنصبت زيدا لأنه المفعول الأول، والاستفهام في موضع المفعول الثاني، كما كان قبل في موضع خبر الابتداء. والدليل على حسن النصب قولك: علمته من هو، وقد يجوز أن تعلق "علمت" عن "زيد" وترفعه، فتقول: علمت زيد من هو، تحمل الكلام على المعنى؛ لأن المعنى: علمت من زيد، فكما أن زيدا لا يكون فيه إلا الرفع، فيما تعطفه على "إن" بعد عملها في اسمها وخبرها نحو "إن زيدا منطلق وعمرو" لما كان معنى "إن زيدا منطلق" و "زيد منطلق" واحدا، فكذلك يجوز PageV01P074
"أرأيتك" على ضربين
في الاسم المتقدم على الاستفهام الرفع إذا كان معناه بعد الاستفهام كمعناه قبله، والرفع قول يونس. ومن قال: "علمت زيد أبو من هو" فرفع وعلق "علمت" و "رأيت" عنه لما ذكرت لك، قال: "أرأيتك زيدا ما صنع" فنصب زيدا ولم يرفعه بعد "أرأيتك" كما رفعه بعد هذه الأفعال الأخر، وذلك أن "أرأيتك" قد صار كقوله "أخبرني"، فكما أنك لا تعلق "أخبرني" وما أشبهه من الأفعال التي لا تلغى، كذلك لا تعلق "أرأيتك" في قولك: "أرأيتك زيدا ما فعل"، ولا تقتصر فيه على مفعول واحد، كما يفعل ذلك في "أخبرني" لأنه في الأصل متعد إلى مفعولين، ولأن المعنى: أخبرني عن كذا.
والتاء في "أرأيتك" على لفظ التذكير والإفراد، كان الفاعل مفردا أو مثنى أو مجموعا، أو مؤنثا، استغنى بما لحق من علامة الخطاب على هذه الوجوه على تثنية الضمير وجمعه وتأنيثه، فمن ثم جاء {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة}.
ومثل ذلك قولهم "هاك" و "هاكما"، ولو لم يلحق الكاف غيرت، كما قال {هاؤم اقرؤوا}: فجمع لما لم يلحق الكاف.
فأما الكاف فلا موضع لها من الإعراب، وإنما هي علامة للخطاب؛ الا ترى أنه لو كان لها موضع لكان نصبا، ولوجب أن يكون PageV01P075