3 - رأيت المتعدية إلى مفعولين
باب "أعلمت" هو الثاني في باب "علمت". فإذا كانت المنقولة من "رأيت" المتعدية إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار فيه على المفعول الثاني؛ لم يجز أن يكون قوله في الآية {بما أراك الله} منقولا من المتعدية إلى مفعولين؛ لأنه لم يتعد في الآية إلى ثلاثة مفعولين، وإنما تعدى إلى اثنين، أحدهما كاف المخاطبة، والآخر الضمير المحذوف العائد من الصلة إلى الموصول. فإذا لم يخل هذا النقل من أن يكون من واحد من الألفاظ الثلاثة، وبطل أنه من اثنين منها كما بينا، ثبت أنه منقول من الوجه الثالث، وهو الذي بمعنى "اعتقدت"، دون الضربين الآخرين.
الضرب الثالث من وجوه "رأيت": وهي المتعدية إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على أحدهما، وذلك نحو "رأيت زيدا أخاك" و "علمت بكرا منطلقا"، فهذا يجوز أن يقوله الأعمى كما يقوله البصير؛ لأنه لا يراد به الإبصار، وأنشد أبو زيد:
تقوه أيها الفتيان إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا
رأيت الله أكبر كل شيء ... محاولة وأكثرهم جنودا
وإنما لم يجز الاقتصار على أحد المفعولين لأنهما في معنى المبتدأ وخبره، فكما لا يجوز الاقتصار [على أحدهما، كذلك لا يجوز الاقتصار] على أحد هذين المفعولين. وكذلك ما يدخل عليه "كان" وأخواتها، و"إن" وأخواتها. PageV01P071
فإن قلت: فقد أقول "علمت أن زيدا منطلق"، و"حسبت أن يقوم بكر"، فاقتصرت على "أن" واسمها وخبرها، و"أن" وما في صلتها.
قيل: إنما جاز ذلك لسد الخبر الذي جرى في الصلة مسد خبر "أن". وكذلك ما في صلة "أن" من الفعل. ومثل ذلك "أقائم الزيدان" و"أقائم الزيدون" في أن الفاعل المرتفع بالاسم المبتدأ أغنى عن خبره، فحمل الكلام على المعنى؛ الا ترى أن قولك "علمت أن زيدا منطلق" و"علمت أن زيدا منطلق" و"علمت زيدا منطلقا" في المعنى سواء. فمما جاء في التنزيل من ذلك متعديا إلى مفعولين قوله تعالى {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق}. وقال {إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا}. فدخول الفصل في الموضعين يدلك على أن ما بعد الفصل مفعول ثان.
ويذهب أبو الحسن إلى أن الاقتصار على الفاعل في هذا الباب لا يحسن - وإليه ذهب أبو عمر الجرمي - فقال في قوله عز وجل {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}: "لا يعجبني قراءة من قرأ الأولى بالياء، وليس لذلك مذهب في العربية؛ لأنه إذا قال: لا يحسبن الذين يفرحون، فإنه لم يوقعه على شيء". ووجه قوله PageV01P072
عندي في هذا أن "علمت" و "ظننت" وبابهما قد أجريا مجرى القسم في كلامهم؛ ألا تراهم تلقوها بما يتلقى به القسم في نحو قوله عز وجل {وظنوا ما لهم من محيص}. وحكى سيبويه "ظننت لتسبقني"، وأنشد:
ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
فكما أن القسم، وإن كان جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، لا يكون كاملا مستقلا حتى يوصل بالمقسم عليه، كذلك "ظننت" و"علمت" لما كانا قد أجريا مجراه، لم يستحسن الاقتصار عليهما حتى يوصل بالمفعولين. وأيضا فإن ذلك وإن كان جملا، فإنها تدخل على المبتدأ والخبر، فكما أن سائر ما يدخل على المبتدأ وخبره لا يستقل حتى يدخل عليهما، كذلك كان "علمت" و "ظننت" وبابهما.
فإن قال قائل: فقد قال الكميت: